بقلم د. محمود عمارة ٩/ ٨/ ٢٠١٠
============================
أتيحت لى عدة لقاءات مع كبار المسؤولين عن الزراعة حول العالم.. آخرها الشهر الفائت مع وزير الخارجية السودانى السابق والمستشار الحالى للرئيس البشير.. واستمر النقاش عن كيفية الاستعداد للترويج والتسويق وغزو الأسواق العالمية للمنتجات الزراعية، التى ستبدأ بشائرها هناك.. وصاحب الدعوة الأخيرة هو صديقنا الناشط واللامع «ماجد الشربينى» عضو الأمانة العامة للحزب الحاكم.. (الحزب الذى لا يستمع إلى رأى أو تجربة أى ناقد لسياساته التى دمرت الزراعة فى المحروسة)!
واندهشت عندما قارنت بين «الفكر الجديد» للحكومة السودانية، و«الرؤية» المستقبلية الواضحة، «والإرادة» الحديدية فى التصميم على إحداث «طفرة» غذائية على أرض السودان، وبين التخبط، والهرجلة، والتهريج، وفقر الفكر لدى القائمين على شؤون الزراعة فى مصر، وعجزهم الفاضح عن إدارة أملاك الدولة، بتوحيد «جهة واحدة» للتصرف فيها، ولكن أكرر ما تعرفونه جميعا من تخريب لهذا القطاع الذى سينتهى بالمجاعة الحتمية..
وها هى أسعار القمح فى العالم ترتفع ٥٧٪ فى شهر يوليو، والمتوقع أن تشتعل ليصل سعر الطن من ١٦٠ إلى ٤٠٠ دولار،، ليعجز بطرس غالى عن تدبير الزيادة فى الدعم (مصر تستورد أكثر من ٩ ملايين طن ٤٠٠ دولارا- احسبها أنت لتعرف خطورة وثمن مقولة «شرا القمح ولا تربيته».. تاركين زراعة البراسيم الحجازى لتصديره كأعلاف لحيوانات الخليج، وعدم اقتناع الدولة بأهمية الاستثمار فى الزراعة أو لدعم محصول القمح لتأمين رغيف الخبز الذى ستعود إليه الطوابير، وضرب النار!
فجأة فى الأسبوع الماضى «تذكر الرئيس» أن هناك مشكلة فى غابة الإجراءات والقوانين المتضاربة التى تحكم التصرف فى الأراضى الصحراوية، بعد أن فاحت رائحة الشياط على الطريق الصحراوى، واختلاط الحابل بالنابل!
فأصدر سيادته «قراراً جمهورياً» احتار جهابذة الحكومة فى تفسيره، فخرج بعضهم «يفت» (من الفتة بالكوارع)، وهات يا تصريحات تهنئ الشعب المصرى بالنصر المبين، وكأن كلمة «حق الانتفاع» التى وردت بالقرار هى «الدستور».. و«الحل»، وأن الإنتاج سيتضاعف، وستختفى البيروقراطية العقيمة ومعها الروتين العفن، وأن خزانة الدولة ستمتلئ بالذهب والفضة.. وهم لا يعلمون أن كل هذه «الفرقعات مجرد ضجيج بلا طحين لإشغال الناس، وإثارة البلبلة، وكأنها ناقصة شوشرة»!
والحقيقة أن هذه الدولة الفاشلة تفتقر إلى «الإرادة السياسية»، ومنعدمة «الرؤية»، وليست لديها سياسات أبعد من ردود الأفعال، والدليل:
أن وزير الزراعة اعترف فى «العاشرة مساءً» بأن الوزراء مختلفون ومنقسمون ولم يحسموا حتى الآن: ما هى الجهة التى يجب أن تكون لها الولاية للتصرف وحدها فى أراضى الدولة بدلاً من الـ١١ جهة الحالية؟.
والثانى: أن رؤوس الدولة فى المؤتمر الأخير للحزب الحاكم أعلنوا أن العصر الذهبى للفلاح قد بدأ.. وبعد عام أفلس الفلاحون، وتركوا الأرض بوراً لملاكها!
والثالث: أن وزارة الزراعة أعلنت الأسبوع الماضى وبعد خمس سنوات أنها تحتاج إلى ٣٩٠ مليون جنيه لإعادة هيكلة الوزارة و«إن شاء الله» ستضع سياسات جديدة بعد الهيكلة (وابقى قابلنى فى المشمش)!!
والرابع: رئيس الوزراء المختفى دائماً «طالب بالأمس الإحدى عشرة جهة فى الوزارات المتنازعة بتحديد أوجه التضارب فى القوانين، وحدد لهم نهاية العام لتقديم مذكرة فى الموضوع.. مما ذكرنى بنكتة: «جحا، والملك، والحمار»!!
المصيبة أن الكل ضارب لخمة ومحتاسين، وكأننا نخترع «العجلة»، ونحتاج إلى فيمتو ثانية، أو نانو تكنولوجى «للغش» من تجارب الآخرين.. التى «نشف ريقى» من تكرار الحديث عنها فى «التجربة الفساوية»، و«الموزمبيقية»، و«المغربية».. وكأننا نؤذن فى مالطة!!
وبما أن التكرار يعلم الشطار.. فها هو الحل فى «التجربة السودانية» بخصوص «حق الانتفاع».. «وتوحيد الجهة».. «وتلخيص الإجراءات»:
أولاً: تتكفل «وزارة الاستثمار» بكل ولاية فى التصرف وحدها بأملاك الدولة «بحق الانتفاع» لغير السودانيين!!
ثانياً: سعر الفدان يتراوح الآن من ١٥٠ : ٢٠٠ دولار (حسب الموقع من الخدمات).
ثالثاً: مدة عقد الانتفاع «أبدية».. وحتى لا يتلاعب المستثمر بتغيير النشاط من زراعى إلى نشاط آخر.. فالمدة الأولى بالعقد هى ٢٥ سنة، تجدد تلقائياً حتى مائة عام.. لينقلب عقد «حق الانتفاع» أوتوماتيكياً إلى «عقد ملكية حر» طالما أن النشاط الزراعى مستمر.
رابعاً: القيمة الإيجارية السنوية: دولار أمريكى واحد من كل فدان.. ورسوم تجديد العقد كل ٢٥ سنة هى ٢٠ دولاراً لكل فدان.
خامساً: على كل مستثمر تجهيز ٢٥٪ من المساحة التى يحصل عليها «بئر ارتوازية» لكل مائة فدان، ويسلمها بالبئر إلى الدولة لتتولى الحكومة المحلية توزيعها بالمجان على أهالى وشباب المنطقة المحيطة بالمشروع. (البئر تتكلف ٣٠ ألف دولار).
سادساً: الشرط الوحيد الفاسخ للعقد هو: تغيير النشاط.. وبحكم القانون والدستور لا يحق للدولة مصادرة أو تأميم أو فسخ العقد لأى سبب آخر سوى للمنفعة العامة مثل حق الملكية (الحكر) للسودانيين.
وبهذه البساطة، ولهذه الشفافية، وبفضل «عقول» السودان المسؤولة.. هرولت آلاف الشركات العربية، والمصرية، والأجنبية للاستثمار بقطاعى الزراعة والثروة الحيوانية، وقريباً فى التصنيع الزراعى لتصبح السودان بعد عشر سنوات سلة غذاء المنطقة (الجنيه السودانى بقى بـ٢.٢ج مصرى وسيصل إلى ٣ج)، ولهذا أتوقع أن تكون هى «وجهة الهرب» «للشباب المصرى بدلاً من إيطاليا واليونان.. وأخشى ما أخشاه أن يتدهور بنا الحال لنرى المصريين بعد عشر سنوات يقفون فى طوابير يتسولون معونات غذائية من أم درمان.. بعد أن فشلنا وعجزنا عن إدارة مواردنا، وتعظيم مميزاتنا.. وانشغلنا بالتوريث، وجدو، ومسلسلات رمضان وسهر الليالى.، ولا أحد يبالى!!
وهذا هو الفارق بين عقول تحلم، وعجول تعلف!!
(ولله فى خلقه شؤون)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق