الأحد، 10 يوليو 2011

إعدام الثوار‏




  • بقلم د.محمود عمارة ٤/ ٧/ ٢٠١١
    =======================

    مضطر آسفاً لقطع سلسلة «زراعة الأمل»، التى بدأتها بعد الثورة، ومنعت نفسى من أى نقد، أو إبداء رأى باعتبار أن البلد عاد بلدنا، والمسؤولية الوطنية تحتم علينا لم الشمل، والوقوف صفاً واحداً لبناء مصر الحديثة، لكن ما يحدث أمامنا من تخاذل، وغموض، وارتباك، وتباطؤ يصل أحياناً إلى حد شبهة التواطؤ، بعد سقوط رأس النظام مباشرة، واخترت عنوان المحاضرة «إعدام الثوار»!

    عندما دعانى صديقى الإعلامى أحمد منصور بمنزله للحديث مع خمسين شاباً من رموز « ثوار التحرير »، بعد أسبوعين من خلع حسنى مبارك، تعمدت هذا العنوان الصادم الذى أدهش صديقى، واستنكره البعض وقتها، لأنهم كانوا فى عز نشوتهم بالانتصار، وإحساسهم بالعمل البطولى الذى قدموه.. وجاء أول سؤال: لماذا هذا العنوان بالذات؟

    وكانت إجابتى:
    -----------------

    اقرأوا تاريخ الثورات، وأولاها الثورة الفرنسية، لتعرفوا «الكتالوج» أو خارطة الطريق، والتطورات والمفاجآت التى حدثت، والنهايات الحزينة التى جرت، بسبب الأخطاء والخطايا التى ارتكبها الجميع، والتى انتهت بـ«إعدام الثوار» فى ميدان الباستيل، وبنفس المقصلة التى قطعوا بها رأس الملك ورأس زوجته، بعد أن عمَّت حالة الفوضى، وانتشر البلطجية وقطّاع الطرق والخارجون على القانون، وأحس الناس بضياع أمنهم، واغتصاب ممتلكاتهم، وانهيار طموحاتهم، والخوف على مستقبلهم، الجماهير من العامة التى ظنت أن مجرد الخلاص من الملك وحاشيته ستجبر السماء على أن تمطر ذهباً..

    ولم تمطر إلاَّ الفقر، وارتفاع لتكاليف المعيشة، بعد أن انشغل «الثوار» بتقسيم التورتة، وانقسموا على أنفسهم، وتصارعواعلى الصفوف الأولى، ونسوا أن هناك آلاف المضارين من الثورة، وآلافاً من الحاقدين عليهم، وملايين من الفقراء لا يعنيهم سوى تأمين عشائهم وقوت يومهم، فنجح «الفلول» فى جذبهم يوماً بعد يوم، وفى ظل غياب الدولة، ساد قانون الغابة والمصلحة المباشرة، بعد أن دخلت البلاد فى حالة ضبابية، واسودت الدنيا أمام ملايين العامة التى نست ما كان يفعله الملك والنبلاء والأمراء من تنكيل وإهانة وإفقار، وتجهيل، واستعباد، وبدأوا فى التململ، والكراهية للثوار، ودخلت فرنسا كلها فى حروب أهلية استمرت ٢٠ سنة، وانتهت القصة بالاتفاق على تنصيب لويس نابليون بونابرت رئيساً لأول جمهورية هناك!

    هذا هو ما قلته ونبهت وحذرت من تفاديه.. لكن للأسف نراه يحدث الآن حرفياً، «مائة وخمسون تجمعاً وتحالفاً وائتلافا»، ليتشرذم «الشباب»، وينسوا خطورة ما يحيط بهم إذا تجمع المنبوذون، والخاسرون، ومن قفزوا على أكتاف الثورة، والمضارون منها، مع تكاسل وارتعاش يد متخذى القرار الحكومى، وغياب الرؤية السياسية.

    والسؤال الآن:
    -----------------

    ماذا نفعل للعودة إلى الطريق الصحيح.. طريق الأمل والنهضة؟

    أولاً: على «المجلس العسكرى الأعلى»
    -----------------------------------------------
    أن يتعامل معنا بشفافية تامة، واحترام وسعة صدر، لأننى شخصياً أشعر بأننى كنت أكثر حرية وانطلاقا فى إبداء رأيى بلا تحفظات أيام الرئيس السابق، واليوم لا أرى سوى آراء معظمها «مغازلات» لبعض الطامعين فى مناصب أو تقرب لحجز أماكن بالصف الأول، و«النقد» أصبح لزاما على صاحبه أن يبدأه بمقدمة طويلة للمدح وتقديم فروض الولاء ثم تغليفه فى «سوليفان».. مع أن هناك أوجهاً كثيرة للقصور الذى يستوجب «النقد»..

    النقد الذى يمكن أن يرشدنا وينير لنا الطريق، أو حتى النقد الذى يعبر عن حالة الغضب والاستياء، والتساؤل، والاستنكار لبعض ممارسات، وأفكار، وآراء أعضاء المجلس الأعلى الحاكم مكان الرئيس، والمتولى لسلطات المجلس التشريعى، وهناك عشرات بل مئات الأسئلة التى يطرحها الناس، وحفظها الجميع، ولا أحد يخرج ليجيب عنها.


    ثانياً: «حكومة تسيير الأعمال»..
    -------------------------------------
    مسكينة، ولا حول لها ولا قوة أمام جبال الطلبات والمشاكل، والنوايا الطيبة لن تؤدى إلى الجنة.. وأغلبية وزرائها يدوب على قد الحال، و«المحافظين» فى البطاطا، ولا أحد منهم يعرف حقيقة دوره وحدود مسؤولياته، ومعظم المسؤولين فى الدولة من كبار الموظفين أمامهم شهور ليخرجوا على المعاش، وأمامى يعترفون بأنهم لن يوقعوا على ورقة حتى لا يتعرضوا للمساءلة بعد خروجهم، والبلد ماشية بالدفع الذاتى الذى يقل ويتباطأ، والنتيجة معروفة مسبقاً!!


    ثالثا: «شباب الثوار».
    ------------------------
    أنتم فى خطر، وأخشى أن يحدث لكم ما حذرتكم منه.. والمطلوب: الاتحاد، والتجمع، وتغليب المصلحة العامة، وتذكروا أن أى نجاح تحقق كان الفضل فيه بعدالله هو شعار «إيد واحدة»، وبدونه ستفقدون كل شىء، بدءًا من «الانتخابات» التى ستتأجل حتما من سبتمبر إلى نوفمبر، لأننا لم نتفق أو ننتهى من تشكيل اللجنة العليا، ولا الأمانة العامة، ولا أى شىء يتطلبه قانون الانتخابات الجديد.


    رابعاً: نحن والإعلام:
    ------------------------
    علينا جميعا مسؤولية وطنية، تحتم على كل واحد فينا أن ينحى جانباً ولو مؤقتاً مصالحه الذاتية، ويساهم متطوعا فى وضع «طوبة» نبنى بها بلدنا، تبدأ بالضغط على المسؤولين لاتخاذ قرارات جريئة وشجاعة وبها شىء من الثورية.

    وإن لم نفعل.. فسوف نندم جميعا على هذه «الفرصة التاريخية» المتاحة لنا الآن لنطير بمصر إلى سماء العالمية.

    french_group@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق