الأربعاء، 21 سبتمبر 2011

من هنا تبدأ هيبة الدولة ‏


  • بقلم د. محمود عمارة ١٩/ ٩/ ٢٠١١
    ---------------------------------------------

    الأسبوع الماضى كنت شاهداً على سلسلة من الحوادث:

    أولاً:
    سائق تاكسى ملقى على الرصيف يصرخ، ويولول وهو يحكى: إن إحدى «المنتقبات» ركبت بجواره لتوصيلها إلى مدينة نصر.. وعلى طريق صلاح سالم بجوار المقابر، أخرجت «فرد» مسدس، وأمرته بالتوقف، والتوقيع على أوراق بالتنازل والبيع للسيارة، وضربته بعصا كهربائية ثم هربت بالسيارة.. وحسب شهادة الشهود.. فهذه «المنتقبة» ما هى إلا أحد البلطجية الذين يستخدمون الآن زى المنتقبات فى السطو على أملاك وممتلكات الآخرين!

    ثانياً:
    فى السادسة صباح «الأربعاء» الماضى، كنت فى طريقى من المعادى إلى عملى فى مدينة السادات، وفوجئت بسيارة نقل بمقطورة متوقفة بعد مطلع «الوصلة الجديدة» الرابطة بين المنيب والدائرى، باتجاه الطريق الصحراوى، وثلاثة «شحوط» يستخدمون «أجنات» ومنشاراً لخلع، وتقطيع وتفكيك «السورالحديدى» للكوبرى ليبيعوها خردة «الطن بألفى جنيه»! وعشرات القصص لاعتداءات اللصوص على المال العام والخاص!

    فى المساء تقابلت مصادفة مع صديق «عميد شرطة»، أشهد له بأنه مثال ونموذج للذوق والأدب، والتعامل المحترم مع كل الناس قبل وبعد الثورة، حكيت له ما رأيته وما سمعته، فإذا به ينفجر غضباً مما يحدث له ولزملائه من إهانات، وتريقة، ونظرات البعض المملوءة بالشماتة، وأحياناً يسمع شتيمة لكل رجال الشرطة من بعض سائقى الميكروباصات، وبعض الملاكى، وحكى لى أن زوجته لم تعد تذهب إلى التجار بالمنطقة التى يسكنونها، بعد أن ذهبت إلى «الفكهانى» الذى كان يهب واقفاً «أمرك يا باشا».. «اؤمرى يا هانم».. ويحمل الأكياس حتى السيارة، إذا به بعد الثورة يتحدث إليها بعنجهية،وهو مجضوع على الكرسى، وبشىء من التريقة يسألها: هوه أخبار «الكابتن» إيه دلوقتى؟

    حكايات لا حصر لها من إهانات للضابط، وأحياناً صفع على الوجه للأمناء، وازدراء «للعسكرى» المسكين الواقف بالعشر ساعات لتنظيم المرور بثلاثمائة جنيه فى الشهر..

    أحدهم يقول لك: والله العظيم يا بيه أنا ما فطرت من صباح ربنا.. وطول النهار واقف على حيلى اتهزأ، واتشتم وساكت..

    ولسه واحد مرضيش يقف فى الإشارة، وسمعته بيقول للراكب جنبه: سيبك منه ده من ولاد «...» اللى بعد الثورة بقوا خدامين عندنا!

    وهكذا عشرات الروايات عن «قلة أدب» بعض الناس، وتسمع وتتعاطف مع المرارة التى يعبر لك عنها ضباط الشرطة فى تعاملات الجماهير معهم، وقليلاً ما تسمع عن تعاطف حقيقى، ووقوف بعض المحترمين مع الشرطة وتشجيعهم.

    والحل هو:
    =======

    أولاً: أن يلتقى الوزير بالضباط والأفراد أسبوعياً، وأن ينزل بنفسه للشارع كما كان يفعل الوزير أحمد رشدى ليرفع من روحهم المعنوية، ويكون نموذجاً لهم «وإذا كانت صحته لا تساعده، فعليه بالاستقالة الفورية»!

    ثانياً: أن يتساوى رجل الشرطة برجل الجيش، من حيث الرواتب والمعاشات، فليس مقبولاً أن يكون معاش لواء الشرطة ٣٠٠ جنيه، ومعاش لواء الجيش خمسة آلاف، وكمان لواء الجيش يوجدون له وظيفة مدنية بعد المعاش، ولواء الشرطة يقعد فى البيت فى سن مبكرة، أو بمساواتهم بالقضاة، ففى الانتخابات مثلاً: القاضى المشرف على الانتخابات يحصل على ١٠ آلاف جنيه، ولواء الشرطة على ٤ آلاف جنيه..

    علماً بأن القاضى يذهب إلى لجنة الانتخابات فى سيارة تابعة للدولة، وضابط الشرطة يذهب إلى اللجان بمعرفته وعلى نفقته الخاصة، وليس معقولاً - كما يقولون - أن نقيب الشرطة بعد سبع سنوات خدمة، كل راتبه لا يتجاوز ١٢٠٠ جنيه، منها خدمات مثل مباريات الكورة وغيرها، يذهب على نفقته الخاصة من القسم التابع له بتاكسى + كل الخدمات بتاكسيات تكلفة فى المتوسط ٣٠ x ١٥ = ٤٥٠ جنيهاً + سجائر وشاى شهرياً ١٠ x ٢٥ = ٢٥٠ جنيهاً + غسل البدلة والمكوى + الإيجار + الكهرباء = الـ١٢٠٠ جنيه، وعليه أن يأكل ويشرب ويصرف على زوجته وطفلين من الهواء، إذا لم يكن له أب أو ميراث،

    أما بالنسبة للأمناء، الذين يعملون أكثر من ٨ ساعات يومياً فتجب محاسبتهم على كل ساعة إضافية ليس بـ٤٠ قرشاً للساعة، لكن بالحد الأدنى للأجور الإضافية، و«فرد» الشرطة الواقف بالشارع يلزم ألا يقل راتبه عن الحد الأدنى، وهو ٧٠٠ جنيه.

    ثالثاً: هناك ضابط «مش عايز يشتغل» وضابط «مش عارف يشتغل».. اللى مش عايز يشتغل يروّح يقعد فى بيتهم ويتم فصله، أما اللى مش عارف يشتغل فيلزم تدريبه وتأهيله وتعليمه، وتوفير أدوات العمل له، والعجز العددى يستكمل من خريجى الحقوق بعد دورة تأهيل وتدريب ٦ أشهر.

    رابعاً: يطالب ضباط الشرطة بأن يكون هناك لقاءات دورية فى حضور الوزير والإعلام والقضاء، «القضاة» يشرحون للضباط حقوقهم، وواجباتهم، والمظلة القانونية التى تحميهم أثناء أداء واجباتهم حتى لا يخافوا ويرتبكوا أو يتهوروا.. والإعلام ليفهم الحدود القانونية الفاصلة بين حق الشرطى وواجبه، وبالتالى يكف البعض عن خلط الأوراق أو المزايدات.

    خامساً: المساواة بين قطاعات الشرطة جميعاً فى الرواتب.. فليس معقولاً أن كل من يعمل بشرطة الكهرباء، والنقل والمواصلات، ومكتب الوزير، والعلاقات العامة يتم تمييزه برواتب سخية قد تصل إلى ١٥ و٢٠ ألف جنيه، وزميله الواقف فى الشارع لا يتحصل على ٢٠٠٠ جنيه!

    سادساً: معروف عالمياً أن لكل ١٥٠ مواطناً، رجل أمن، وفى عاصمة مثل القاهرة يلزم أن تكون هناك سيارة شرطة وخمسة أفراد كل كيلو متر، وفى كل ميدان لتأمين الشارع ولأمان وأمن المجتمع، مع الاهتمام الكامل بشرطة تنفيذ الأحكام التى لا تملك أى وسائل أو أدوات لتطبيق القانون وإحقاق الحقوق.

    ولضيق المساحة أكتفى بأن أكرر مقولة الجنرال «ديجول» عندما وقف فى شرفة الإليزيه وأشار بافتخار إلى العسكرى الفرنسى الواقف مشدوداً، مهندماً، حذاؤه لامع، ومنظره يجبرك على احترامه، وقال: «من هنا تبدأ هيبة الدولة»!

    french_group@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق