بقلم د. محمود عمارة ١٢/ ٩/ ٢٠١١
---------------------------------------------
شاءت الأقدار أن أعيش تجربة «رئيسين للجمهورية» يحاكمان الآن فى نفس التوقيت..
الأول هو: «حسنى مبارك» رئيس بلدى الأم مصر الذى أعشقه..
والثانى هو: «جاك شيراك» رئيس البلد الذى استضافنى ٢٥ سنة، ومنحنى الفرصة لأتعلم شبه مجانى بأفضل جامعاته (١٠٠ دولار سنويا لدراسة الماجستير أو الدكتوراه بالسربون للمواطن الفرنسى).. وفرصة لاكتشاف مواهبى وقدراتى، وسمح لى بحمل جنسيته التى تؤهلنى للحصول على كل امتيازات المواطن الأصلى، بما فيها حقى فى الترشح لرئاسة فرنسا!!
المدهش، والغريب، والعجيب أن «رئيس دولة الأم» رغم اتهامه بارتكاب جرائم متعددة بما فيها «الخيانة العظمى»، والذى عرض مصر لكل أنواع المخاطر بما فيها خطر انقسامها وتقسيمها بين النوبة جنوبا إلى سيناء شرقا، وبين المسلمين والمسيحيين، وخرب الإنسان المصرى وأشاع الفساد الممنهج..
نرى بعض الناس يخرجون أثناء محاكمته يحملون لافتات تقول «إحنا آسفين ياريس»..
أما هناك فتجد «جاك شيراك» الذى يعترف له الجميع بالوطنية الصادقة، والجدية والأمانة فى خدمة فرنسا، لا يتعاطف معه أحد فى محاكمته «لخطأ» ارتكبه عندما كان عمدة لباريس منذ عشرين سنة، بتعيينه ٢١ موظفا فى بلدية باريس التى يحكمها، واكتشفت الصحافة أن هؤلاء الـ٢١ موظفا رغم تقاضيهم المرتبات من العمودية إلا أنهم يعملون يوميا «بالحزب الديجولى» الذى يترأسه شيراك أيضاً!!
أى أن الرجل لم يتربح سنتا، ولم يعمل هؤلاء الموظفون لحسابه الشخصى بمزرعته أو بقصوره.. ولكن هذه هى قواعد اللعبة الديمقراطية الحقيقية: «من يخطئ يحاسب على الصغيرة قبل الكبيرة»!!
«جاك شيراك» ٧٩ سنة، ملاحق بهذه الجريمة منذ ٢٠ سنة، كان فيها رئيسا للجمهورية ١١ سنة، لم نسمع أنه تدخل بنفوذه «ليؤثر على الشهود» أو «يحرق الأوراق» أو «يخفى الملفات»، (القانون الفرنسى يمنع محاكمة الرئيس أثناء توليه السلطة) ولكنه يلاحقه بعد خروجه من الكرسى!!
بعد خروجه كان ملاحقا بجريمتين:
الأولى: استغلاله لوظيفته وتربحه لأنه حصل على ٤ تذاكر طيران درجة أولى على إيرفرانس (له ولزوجته ولابنتيه) وبدون ثمن، فى رحلة خاصة ليست رسمية، وحصل فيها على البراءة بسداده ثمن التذاكر، واعتذاره لدافعى الضرائب!!
أما الجريمة الثانية، فقد تم التحقيق فيها من وكيل نيابة عمره ٢٤ سنة، وكانت وزيرة العدل (رشيدة داتى) من المغاربة الذين حصلوا على الجنسية.. لم تستبدل له وكيل النيابة الشاب برئيس نيابة، أو تقابله لتسمع وجهة نظره، ولكن تم التحقيق معه شأنه شأن أى مواطن فرنسى لا زيادة ولا نقصان!!
«جاك شيراك» الذى خدم فرنسا ٥٩ سنة من مدير لمكتب رئيس الوزراء «جورج بومبيدو»، ثم وزير للنقل، فوزير للزراعة، فوزيرا للمالية، فرئيس للحكومة، ثم رئيس للجمهورية وعمدة لباريس، ورئيس للحزب الديجولى..
«جاك شيراك» الذى كتب إقرار الذمة المالية عند خروجه للمعاش، ونشرته وسائل الإعلام، جاء فيه: أنه بعد ٥٩ سنة فى السلطة، لا يملك سوى:
١- سيارة بيجو موديل ٢٠٠٧ ثمنها ٤٥ ألف يورو.
٢- قصر قديم فى قريته فى جنوب فرنسا، اشتراه عام ١٩٦٩، قيمته اليوم ٦٥٠ ألف يورو.
٣- منزل ريفى بإحدى المناطق النائية والمنعزلة ثمنه ستون ألف يورو.
٤- تحف - تابلوهات - وأنتيكات = مائتا ألف يورو.
٥- أسهم بالبورصة الفرنسية قيمتها أربعمائة وثمانون ألف يورو.
٦- حساب بالبنك الشعبى به تسعمائة وثلاثون ألف وسبعة وخمسون يورو و٤٢ سنتا.
٧- مجموعة أشياء بسيطة بالمخزن منها ٢ دراجة رياضية قيمتها أربعة آلاف يورو.
بالإضافة إلى إهدائه لابنته الصغرى شقة مساحتها ١١٤ مترا كانت ملكا له، ومازالت ابنته تعيش فيها مع زوجها الموظف بالحكومة!!
وهذه هى كل ممتلكات الرجل ورغم هذا كله فقد قدموه للمحاكمة بعد زوال الحصانة فى ١٦-٦-٢٠٠٧..
والآن يسكن فى شقة بالإيجار يمتلكها ورثة رفيق الحريرى، مساحتها ١٨٠ متراً. (للإحاطة: مرتب رئيس فرنسا كان ٦ آلاف يورو شهريا.. والآن ساركوزى رفعه إلى ١٨ ألفاً بالإضافة إلى ١٦٠ ألفاً شهريا كمصروفات رئاسية)، وعند خروج الرئيس يظل راتبه الأساسى مستمراً كمعاش + شخصين لحراسته + مكتب وسكرتيرة + ٢ موظفين لمساعدته)!!
الخلاصة:
-----------
أننى كمواطن أحمل الجنسية الفرنسية.. وبعد أن رأيت وسمعت ما يردده البعض هنا لحماية حسنى مبارك بـ«عفى الله عما سلف» وكمان «إحنا آسفين يا ريس».
أصبح لزاما على أن أسافر لباريس، وأقف على باب العمارة التى يسكنها شيراك، وأرفع يافطة تقول: «أنا آسف جدا جدا يا ريس شيراك»!!
ملحوظة:
-----------
أتمنى أن تنتهى محاكمة مبارك بأسرع وقت ممكن حتى لا ينشغل المجتمع والإعلام أكثر من ذلك، ولنتفرغ لبناء مصر الجديدة مصر الحديثة.. مصر التى فى خاطرى.. وقبل أن يفرح فينا «أذناب مبارك» الذين بدأوا يشموا نفسهم، ويشتموا فى الثورة، ونسوا أن كل ما نحن فيه هو، وهم السبب فيه.. وناقص يطالبونا بالاعتذار، ويجبرونا نقول لهم كمان «إحنا آسفين يا فلل»!!
ولله فى خلقه شؤون!!
french_group@ Hotmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق