الجمعة، 6 أبريل 2012

التجربة السنغافورية

بقلم   د. محمود عمارة    ٩/ ١/ ٢٠١٢
-------------------------------------------



بعد أن تأكد فوز التيار الإسلامى بأغلبية مجلس الشعب بقيادة الإخوان المسلمين، وبما أنه أصبح إجبارياً عليهم الآن الإثبات للشعب المصرى أنهم قادرون على تقديم «مشروع متكامل لنهضة مصر»، وأصبحنا جميعاً مطالبين بالتعاون معهم لإنجاح هذا المشروع من أجل المحروسة .


فها هى «التجربة السنغافورية».. التى استطاعت فى عشر سنوات أن تنقل المواطن السنغافورى من حالة الفقر والجهل والمرض.. إلى أن أصبح أغنى مواطن فى العالم بالدول غير النفطية، فمن ٨٠٠ دولار سنوياً عند بداية مشروعهم للنهضة إلى «٦٢ ألف دولار» متوسط دخل الفرد هناك الآن (متوسط دخل الفرد الماليزى ٢٥ ألف دولار، والأمريكى ٤٥ ألف دولار، والتركى ٢٠ ألف دولار، والمصرى ١٢٠٠ دولار)!!

استقلت «سنغافورة» عام ١٩٦٥، وأدى «يوسف بن إسحاق» اليمين الدستورية لمنصب الرئيس، وعيَّن «لى كوان يو» أول رئيس للوزراء لجمهورية سنغافورة الجديدة.. التى لا تزيد مساحتها على تُسع مساحة سيناء «٧٠٠ كم٢، وسيناء ٦٢ ألف كم٢».. عبارة عن «جزيرة» وحولها بعض الجزر الصغيرة جداً، التى ظلت «منسية» ومهملة لـ«انعدام الموارد»، ولهذا قرروا فى البداية «تحديد النسل»، ثم عادوا الآن بعد عشرين سنة من النجاح والتفوق لتشجيع الإنجاب لنقص الأيدى العاملة التى تحتاجها مشاريع النهضة فى الصناعة، والخدمات، والتجارة!!

قلنا إن مساحتها تُسع مساحة سيناء، وعدد سكانها خمسة ملايين نسمة، وهى أكبر كثافة سكانية فى العالم، ٦ آلاف فرد فى الكيلومتر المربع.. والمجتمع هناك تشكل من مطاريد الدول المجاورة فى البداية ثم أصبح جاذباً للمستثمرين، والتقنيين، والمديرين المحترفين ليتكون الآن كالتالى: ٨٠٪ صينيون، ١٥٪ مالاى، ٨٪ هنود، وآخرون، منهم المسيحيون، والمسلمون الذين استقروا بها أثناء الرحلات العربية التجارية عندما ظهرت أهميتها كميناء بحرى للسفن العابرة.

«دستور» سنغافورة أخذ بالنظام الإنجليزى الذى كان يحتلها وتابعة له.. فالرئيس هناك محدود الصلاحيات جداً، وكل حقه فى الاعتراض على «استخدامات الاحتياطى النقدى الوطنى»، وحقه فى التعيين للمناصب القضائية، والتشريفات فى الاحتفالات والزيارات الرسمية فقط لا غير، أما «القانون» فهى حقاً دولة قانون.. بدءاً من العملية الانتخابية التى تتم من أولها لآخرها بشفافية واحترام للقانون الصارم جداً، والخارج على القانون هناك يحاسب بعنف وقسوة.

عُقب سيجارة فى الشارع غرامته ١٠٠ دولار - وحامل ١٠٠ جرام مخدرات إعدام - والمرتشى مؤبد للمواطن والموظف الصغير - أما المسؤول الكبير إذا تم اتهامه بأدلة فهو «ينتحر» لينقذ شرف العائلة من ازدراء المجتمع لكل من يخون الأمانة، أو يعبث بمصالح الوطن «مش زى عندنا، وبجاحتهم فى عرض الأزياء، والقلاطة، وهم خارجون من القفص رغم تدميرهم للإنسان المصرى، وتخريب الوطن»!

والسؤال: ماذا فعلت «النخبة»، و«حزب العمل الشعبى»، الذى هيمن على السلطة منذ الاستقلال نتيجة النجاحات والقفزات التى جعلت المواطن هناك يتمسك به فى كل انتخابات؟

أولاً: بحثوا عن الإمكانيات والثروات والميزات فلم يجدوا سوى «الموقع الجغرافى» كجزيرة يبلغ طول سواحلها ١٨٠ كم (يعنى طول الضفة الشرقية لقناة السويس، أو طول ساحل سيناء على البحر المتوسط)، وبما أنها تقع جنوب ماليزيا المجاورة لتايلاند، وتشرف على «مضيق ملقا» الواقع بين إندونيسيا والملايو.. فلماذا لا تصبح أهم الموانئ التجارية فى جنوب شرق آسيا لخدمة خطوط الملاحة بين الشرق الأقصى وحوض البحر المتوسط وغرب أوروبا، مروراً بمنطقة الخليج العربى؟

وبدأ «مشروع النهضة» بتحويل الـ١٨٠ كم شواطئ إلى ميناء عالمى أو «محطة» للسفن الرايحة والجاية.. تقدم لها كل الخدمات من الشحن، والتموين، وإصلاح السفن، وتحميلها، وتنزيل البضائع، وإعادة نقلها بالبر والسكك الحديدية.. واكتسبوا سمعة عالية فى «الانضباط، والتجويد، والسرعة المذهلة فى دخول وخروج الحاويات»، (تخليص الجمارك من لحظة دخول السفينة، وحتى خروج الحاوية من باب الميناء يستغرق ٩ ساعات، وفى روتردام بهولندا ١٤ ساعة.. وفى مصر من أسبوع لشهر واثنين)!

ثانياً: بعد نجاحهم فى جذب معظم السفن العابرة بالسمعة الممتازة فى تقديم الخدمات (٢١ مليار دولار عائد الخدمات فقط) - وعندنا قناة السويس بأهميتها التى تفوق موقع سنغافورة مائة مرة لا تقدم أى خدمات نهائياً، واكتفينا بالرسوم، ٤.٥ مليار سنوياً)، رغم وجود الأوناش والمعدات والخبراء والنتيجة «صفر».

وعلى ضفتى القناة لا ترى سوى عسكرى واقف ماسك كلاشينكوف.. ورئيس هيئة قناة السويس مريض، ورغم ذلك تم التجديد له الأسبوع الماضى لمدة عام بعد ١٤ عاماً فوق المعاش.. ليه؟ علشان المحاسيب والحبايب وحق الزمالة باعتباره «فريق سابق»، وبالمناسبة «ميناء دبى» دخله من الخدمات ١٢ مليار دولار سنوياً!

ثالثاً: تحول ميناء سنغافورة بعد النجاح إلى التصنيع الغذائى.. المواد الأولية يستوردونها من الجيران، ويعاد تصنيعها، وتعبئتها، وتغليفها، وتسويقها حول العالم، وهى لا تملك شيئاً لا زراعة لضيق المساحة، ولا إنتاج لحوم ولا ألباناً ولا شيئاً، مثلها مثل هولندا التى تصدر بما قيمته ٢٥٠ مليار دولار سنوياً لمنتجات وبضائع تستوردها من الخارج لتعيد تصديرها بعد بعض الإضافات.

رابعاً: اتجهوا لبناء قاعدة صناعية فى «الإلكترونيات»، ومعدات الحفر العملاقة، والأدوية، والأجهزة بعد أن تم تدريب وتأهيل آلاف الشباب ليصبحوا فنيين وتقنيين، ولتصبح سنغافورة من كبريات الدول فى حجم الصادرات وتحقق ٢٤٠ مليار دولار سنوياً، ولهذا القفز والتطور والتقدم الذى قام فى الأساس على العلم، والتعليم، والتدريب والتأهيل، وبعد أن تضاعف دخل الفرد ٥٠ ضعفاً فى عشرين سنة، أصبح راتب رئيس الوزراء هناك ٢.٥ مليون دولار سنوياً.

والسؤال الأخير لضيق المساحة: كيف نفعلها الآن فى مصر؟

والإجابة فى دراسة متكاملة من أعظم الخبراء المصريين تقول: ممر قناة السويس يمكنه «بدون استثمارات» أن يحقق من الخدمات فقط ١٢ مليار دولار سنوياً، وإذا نفذنا المشروع المتكامل حول قناة السويس نحقق مائة مليار دولار سنوياً.. وغلب حمارنا مع وزارة د. شرف ولم يحدث شىء، ولهذا فالمشروع والدراسة جاهزان «مجاناً» لحكومة الإخوان إن أرادوا.. ولنثق جميعاً أن مصر فى عشر سنوات تستطيع القفز والطيران إلى العالمية بالتركيز فى الجد، بعيداً عن المهووسين، والدجالين، والمحبطين.

مصر فى عيون الفرنسيين

بقلم   د. محمود عمارة    ٢/ ١/ ٢٠١٢
--------------------------------------


رحلة عمل خاطفة إلى فرنسا، بعد مكالمة من إحدى شركات التصنيع الغذائى الشهيرة بمنطقة «نورماندى» لإنتاج وتصنيع وتسويق «كبد البط» Foie Gras وهى «قصة مصرية» سأعود إليها قريباً، كمشروع يمكن من خلاله رفع قيمة الصادرات المصرية بعدة مليارات، باعتبار أننا نملك كل مقومات نجاحها، والسوق الفرنسية وحدها تستهلك منها ٢١ ألف طن، أكرر ٢١ ألف طن، ينتج منها ٨ آلاف طن والباقى يستورد من المجر، وبولندا، وإسرائيل، رغم أن القصة فرعونية ١٠٠٪، ونستوردها فى مصر ليباع الكيلو بألفى جنيه فى «فوشون» بالزمالك ومدينة نصر!

وصلنا شارل ديجول، ومن تحت مبنى المطار كان القطار السريع TGV، ثم بالسيارة إلى قرية مغمورة لا يزيد عدد سكانها على ٦٠٠ نسمة من الفرنسيين الأصليين، لكن على أطرافها يسكن ٢٥٠٠ عامل وتقنى من المهاجرين (مغاربة، توانسة، أفارقة)، يعملون بمزارع ومصانع المواد الغذائية، والمعارض التابعة لها. فندق ضخم بمدخل القرية يعج بوفود أجنبية صينية، وهندية، وإسبانية، ومغربية، كل يبحث عن جذب مستثمرين من ذوى الخبرات، والتقنيات لنقل التكنولوجيا، وفتح أسواق، والمشاركة فى المعارض الجوالة المنتشرة فى كل الأقاليم والمدن والقرى الفرنسية (وهكذا يجذبون ٧٥ مليون سائح سنوياً)، وبمجرد سماع كلمة Egyptian، أى مصريين، اتجهت إلينا الأنظار، وانهمرت عشرات الأسئلة، والاستفسارات، وجاء الحوار كالتالى نصاً:

ماذا حدث؟ لقد انتبه العالم كله إلى «ثورتكم» التى علمتنا دروساً فى التحضر، وتوقع الجميع أن تعود «مصر» لتساهم فى تقدم البشرية، لأنكم ربما لا تقدرون قيمة بلدكم الذى أهدى الإنسانية أعظم حضارة فى التاريخ، ليصبح «أم الدنيا»، وكلنا نتخيل أن لديكم «مشروع مارشال» لنهضة مصر.. فلماذا تعثرت الثورة؟

قلت : الحقيقة أن العالم كله كان متعجلاً لعودة الدور المصرى الحضارى والثقافى والإنسانى، وإذ نشكر لكم ثقتكم فينا كمصريين، إلا أننا وللأسف كبعض الثورات المماثلة وقعنا فى قبضة «فلول» النظام السابق وتلاميذه، الذين تواطأوا مع التيار الدينى المتعطش للحكم، وبجهلهم الفاضح بإدارة شؤون البلاد «توهونا» فى الدهاليز، ومع انشغال الثوار بحماية ثورتهم وانقساماتهم، مع عدم وجود قيادات، وبجهلنا فى الممارسة السياسية، وقعنا فى «الفخ» فتعثرت مسيرة «الثورة»، لأن الثورة كما تعلمون لكى تنجح يجب أن تحكم، أو على الأقل يلبى مطالبها من أنابه الشعب، وفى الحالة المصرية لم يحدث لا هذا، ولا ذاك، بل بالعكس استطاع آخرون «خطف الثمار»، ولهذا حدث الصراع بين «العسكر» و«الثوار» ولن يُحسم هذا الصراع إلا بتنفيذ أهداف الثورة سلمياً ومدنياً، أو بالقوة، أو بالدخول فى مشاكل واضطرابات تسيل فيها الدماء، أو بعودة الوعى والفهم للعسكرى والحكومة ليتعاملوا مع ما حدث على أنه «ثورة» وليس مظاهرات إصلاحية،

وجاء السؤال الثانى من أحد الفرنسيين : نحن نعلم أن حكومتنا من جيسكار وميتران مروراً بشيراك، وحتى ساركوزى كانوا مشاركين فى حماية «مبارك» ونظامه الفاسد، كما فعلوا دائماً مع كل الرؤساء الأفارقة الفاسدين والمستبدين من «بوكاسا» وحتى «القذافى»، لكن نحن كشعوب معكم قلباً وقالباً لتنعموا بالحرية والرفاهية، فبلدكم ملىء بالخيرات من مواد خام وموارد طبيعية، ولا أحد يشكك أبداً فى العبقرية المصرية التى لم تتح لها الظروف لإثبات مواهبها وقوتها وتأثيرها، ولهذا نحن مستعدون للتعاون معكم، وهذا فخر لنا.

- أشكرك سيدى، وأنتم تعلمون أكثر منا العلاقات الطيبة التى استمرت بيننا لسنوات طويلة، ومصر ستظل دائماً صديقاً لكل من يشاركها آلامها وآمالها وطموحاتها، وقد سعدت كثيراً وسوف أنقل هذه السعادة إلى كل أصدقائنا ومعارفنا فى مصر، وأرجو ألا تترددوا فى الاستثمار مع «أم الدنيا»، ولا تنسوا أن أفضل أوقات وفرص الاستثمار هى التى تتم وقت إحجام الآخرين، لأنه بعد أن تهدأ الأمور تتغير الظروف تماماً، وتتضاعف تكلفة الاستثمار.

واستمر اللقاء حوالى ساعة ونصف الساعة، انتهى بالتأكيد على ثقتهم التامة فى «أحفاد الفراعنة»، الذين نجحوا فى الحفاظ على وطنهم متماسكاً رغم كل المؤامرات، والغياب الأمنى، وكل المؤامرات الداخلية والخارجية، والخطايا، والجهل بشؤون إدارة البلاد، فها هم أبناء مصر بالخارج تزداد تحويلاتهم إلى وطنهم الأم من ٨ مليارات فى ٢٠١٠ إلى ١٣.٥ مليار فى ٢٠١١، بزيادة صافية تفوق ٥.٥ مليار دولار، وهى أكثر مما خسرته السياحة من ٢٥ يناير حتى الآن، وها هى الصادرات المصرية تزيد بعد الثورة بـ٢٥ مليار جنيه، أى ٤ مليارات دولار، وهو ما يعادل التسعة مليارات دولار التى تم تهريبها بعد الثورة من اللصوص والفاسدين باعتراف الجنزورى، ولهذا أقول «متخافوش» لأن عقلاء الأمة من النخبة قادرون على حماية المحروسة والنهوض بها للمكانة التى تستحقها وتليق بها، وستنتصر الثورة فى النهاية رغم أنف الجميع، لأنها الطريق الوحيد والصحيح لإحداث النهضة، وتغيير حال المصريين، ولنجدة الأجيال القادمة، والبركة فى المخلصين لتراب هذا الوطن.




اللواء حمدى عبدالكريم «الإنسان» يرحمه الله
عرفته عام ١٩٩٦ عندما جاء باريس للعلاج بمستشفى «جوستاف روسى» من «سرطان بالنخاع الشوكى»، وكانت هناك دكتورة مصرية تسرب لنا المعلومات التى قالت وقتها على لسان «القومسيون الطبى»، بأنه: لن يعيش أكثر من ستة أشهر، وها هو قد عاش ١٥ سنة إضافية، والفضل لله، ولإيمانه العميق بالقضاء والقدر، وبالموقف الرائع لزوجته الطبيبة العظيمة التى أدت دورها بامتياز، فلهم ولكل محبيه خالص العزاء.

french_group@hotmail.com

ارفع راسك فوق إنت «تونسى»

بقلم   د. محمود عمارة    ١٩/ ١٢/ ٢٠١١
-----------------------------------------------

كل من عاش فى أوروبا عموماً، وفى فرنسا خصوصاً، له عشرات الأصدقاء التونسيين «مليون تونسى مقيمون هناك»، وبما أننى شاركت مع المخرج التونسى «رضا الباهى» فى إنتاج عدة أفلام سينمائية منتصف الثمانينيات، وكان جزء كبير من هذه الأفلام يتم تصويره بين «سيدى بوسعيد»، والمرسى، وحلق الواد، وسوسة.. مما زاد معرفتى بحياة شعب تونس الخضراء، وازداد معها عدد الصديقات والأصدقاء، وأصبح لهم لدى حق عرب، بعد أن أكلنا سوياً «عيش وكسكسى بالحوت»!!

وبمناسبة احتفالاتهم اليوم بمرور عام على «ثورة الياسمين»، التى بعثت برسالة إلى كل الشباب العربى بأنه «إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر»، وبالتالى أسقطوا أحد كبار الطغاة والسراق، وأجبروه على الهروب مع زوجته التى كانت وراء كل هذا الجشع المادى، والطمع فى وراثة السلطة، فعلينا أن نعترف بأن فضل الثورة التونسية كان عظيماً فى طمأنة الشباب المصرى بأنه «ممكن»، ممكن خلع طاغية مصر الذى هرب هو الآخر إلى شرم، ولم يخطر بباله أنه سيدخل القفص

ومع الثورة الثانية المقبلة، ربما يحاكم بقوانين ثورية قد تؤدى إلى إعدامه مع كل الذين عرّضوا أمن مصر للخطر، وكل الذين أفسدوا الحياة بالمحروسة، والذين جهلوا معظم أبناء هذا الشعب، وحطموا الشخصية المصرية، وجعلونا هكذا «أمة ضحكت من جهلها الأمم. الفارق بين «بن على»، و«مبارك»، أن «بن على» وعائلته وبعض مقربيه كانوا «لصوصاً» ومستبدين، لكنهم والحق يقال حافظوا على «التعليم» فى تونس كما كان منذ عهد الاحتلال، مروراً بعصر الحبيب بورقيبة، ولهذا تجد معظم التوانسة منفتحين على العالم، ويستطيعون التمييز بين الغث والثمين، وقادرين على إدارة شؤون أنفسهم، ولهذا السبب قفزوا إلى الطريق السليم بأقل خسائر، لتصبح ثورتهم هى «أرخص الثورات» فى التاريخ، وأسرعها فى إعادة بناء نظام جديد يحقق آمال وطموحات الشعب التونسى، وخلال بضع سنوات ستصبح تونس بالستة ملايين تونسى هى إحدى الدول المضيئة والملهمة لشمال أفريقيا، وهم يستحقون!

أما «مبارك» وحاشيته البزرميط، ووارثوه، فهؤلاء كانوا لصوصاً بامتياز، وببجاحة، وبلا ضمير، لأنهم منهجوا أساليب ونظماً للقضاء على الشخصية المصرية بغرض تسهيل «ركوب» هذا الشعب لأقصى مدة ممكنة ليحكمها جمال، وربما الحفيد.. ولم يقرأوا تاريخ هذا الشعب، ولم يتعلموا حرفاً عن حقيقة الشخصية المصرية التى تصبر صبر أيوب، لكنها إذا ثارت فلن يقدر عليها أحد مهما كان.

صحيح أن ما يحدث اليوم من أشياء مخزية ومحزنة ومن فوق لتحت جعل العالم يضرب أخماساً فى أسداس عن مستقبل هذا الوطن، الذى سيتحدد عليه مستقبل الإقليم والمنطقة، ولم يفهموا كيف أن أحفاد الفراعنة يفعلون كل هذا بأنفسهم وببلدهم، لكن المختصين والفاهمين هناك يدركون أن كل ما يحدث على أرض مصر الآن، وما سيحدث فى الفترة المقبلة هو نتاج حقبة حسنى مبارك ومن سبقوه منذ هزيمة ١٩٦٧، التى كسرت وهزمت وحطمت الإنسان المصرى الذى تم طحنه وعجنه وإعادة خبزه فى السنوات الثلاثين الأخيرة.

والسبب الثانى: «البلوة» التى حلت عليه عندما «كلف» الرئيس السابق المجلس العسكرى بإدارة شؤون البلاد، وهو يعلم جيداً أن هذا هو الحل الوحيد لإنقاذه من حبل المشنقة، وأمله الوحيد فى الوصول بالبلاد إلى حالة الفوضى التى ستمكن ولديه من الهروب، وليثبت لنفسه وللعالم أنه كان محقاً فى استبداده بهذا الشعب الذى قال عنه هو وعمر سليمان إنه شعب قاصر، ولا يستحق الحرية أو الكرامة!!

ولهذا تجد «الفلول» الآن يفركون أيديهم، ابتهاجاً بما يحدث الآن، ليثبتوا أمام أسرهم وأبنائهم أنهم كانوا على حق فى تأييد مبارك، ولم يدركوا أن «الثورة» الحقيقية آتية لا ريب فيها، وسوف تعاد محاكمة كل من شارك فى تعريض أمن وسلامة هذا الوطن لمثل هذا الخطر.

تحية للشعب التونسى، وألف مبروك لهذا «التوافق» المحترم، ومليون سلام لكل الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم، وتحية خاصة إلى صديقنا مسيو «منصف المرزوقى» الذى كان يعيش معنا فى باريس، وظل صامداً طوال ٢٣ سنة يقاوم ظلم بن على، وها هو اليوم رئيس مؤقت لشقيقتنا أم «أبى القاسم الشابى»، و«بوعزيزى».. وبقدر فرحتنا بالاحتفالات الموسيقية بكل المدن التونسية التى خرج فيها كل أبناء الشعب هناك يرقصون، ويغنون، ويتمايلون طرباً وفخراً بما حققوه، نعدهم بأن «أحفاد الفراعنة» سيلحقون بهم، وستعم الفرحة قلوب المصريين، وستعود الابتسامة إلى الوجوه قريباً جداً، لأنه لن يصح إلا الصحيح، وعلى الكل أن يفهم ويستوعب ذلك، بعيداً عن الغطرسة والتعالى وحقناً للدماء!!

« وزارة » لإعادة بناء الإنسان

بقلم   د. محمود عمارة    ١٢/ ١٢/ ٢٠١١
---------------------------------------------

 
يوم الإثنين الماضى، وأثناء التعثر فى تشكيل الحكومة.. اتصل بى صديقنا المحترم د. إبراهيم فوزى، وزير الصناعة فى عهد الجنزورى ١٩٩٥، يسألنى: هل توافق على مقابلة رئيس الحكومة غداً «لترشيحك وزيراً للاستثمار»؟

فى البداية وافقت بشروط .. ثم طلبته مرة ثانية وقلت له: استثمار إيه؟.. وبأى عين يمكن الحديث مع أى مستثمر أجنبى أو عربى، أو حتى مصرى فى ظل هذا الانفلااااااااااااات العام؟.. ولو كان لى رأى فقل للدكتور الجنزورى انس حكاية «وزارة للاستثمار» فى هذه المرحلة، وإذا أمكن، فالمطلوب هو «وزارة للتدريب والتأهيل والانضباط» وزارة جد بجد، وليس «كلاماً» للاستهلاك المحلى.. كما حدث عام ٨٤ عندما اختاروا الفريق كمال حسن على رئيسا للحكومة وهو فى زيارة للولايات المتحدة الأمريكية، وفى طريقه لتسلم وظيفته توقف بباريس، وعقد معنا اجتماعاً بمنزل السفير رفيق صلاح الدين، ليقرأ علينا «خطاب التكليف».. الذى جاء أول سطر فيه:

إن الواجب الأول للحكومة هو: «إعادة بناء الإنسان المصرى بالتدريب والتأهيل والانضباط».. بعد ٣٢ سنة من ثورة ٥٢!! وقد رأينا من ٨٤ وحتى الآن.. ماذا فعلوا بالإنسان المصرى؟.. الإنسان المصرى الذى لم يستثمر فيه «مليم أحمر»، لا فى تعليمه، ولا فى صحته، ولا فى تأمين مستقبله، ولا حتى فى توفير مدفن له عند وفاته بأى مرض أصابوه به.

«الإنسان المصرى».. الذى كان فخراً لنا فى أى مكان بعالمنا العربى.. الذى اعتمد فيه على «المصريين» بدأ من مدرسى اللغة العربية بالجزائر وبلاد المغرب العربى وحتى اليمن، ومن مهندسيه وخبرائه وقانونييه لإقامة البنية التحتية والفوقية بدول الخليج.. «الإنسان المصرى» الذى انطبق عليه كثير من «المواصفات القياسية للإنسان» فى الأدب والتربية، والثقافة، والنشاط، والانضباط إلى أن «انهار» فى ٦٧.. ثم قامت قيامته فى ٧٣ التى أعادت له الروح.. ثم وضعناه فى «خلاط» لنشرب منه كل السلبيات بعد تهجيره للبحث عن الريال والدينار والدولار!!

«الإنسان المصرى».. الذى تحمل كل أنواع القهر، وكل أشكال التجهيل، وكل صور الفساد والإفساد والتهميش.

هذا الإنسان الذى أصبح «مشوهاً» نتيجة لما جرى له.. يحتاج الآن إلى رعاية خاصة.. إلى علاج نفسى يبث فيه الأمل، لطمأنته وتهدئته.. يحتاج إلى إعادة تأهيله بالتدريب العملى والتعليم الحقيقى.. ولدينا النموذج الماليزى الذى بدأ فى ١٩٨١ عندما جاء «مهاتير محمد» وقرر «بناء ماليزيا الجديدة»، وكان التحدى الأكبر هو الإنسان الماليزى المنهار، والذى لا يصلح لأى شىء سوى زراعة أشجار المطاط، والتسكع فى الحوارى، ومنافسة الحيوانات بالغابات، وإدمان الخرافات واصطياد الشائعات، واختلاق المشاكل بين الأديان والمعتقدات (كان هناك ٣٢ ديانة ومعتقداً) وكانت الأمور تبدو معقدة ومستحيلة وتحتاج إلى معجزات!!

وكان أول قرار لـ«مهاتير محمد» هو: فتح كل معسكرات الجيش أمام الشباب والفتيات من ١٨ إلى ٤٠ سنة لإعادة تأهيلهم وتدريبهم وتعليمهم خلال ٦ أشهر.. لا يخرجون من المعسكر إلا مرة واحدة كل ٤٥ يوماً حتى لا يتلوثوا بما يحدث فى الشارع، أو فى منازلهم وليعتادوا على حياة «الانضباط».. لإعمال الساعة «البيولوجية» فى الصحيان مبكراً والنوم مبكراً.. وليتعلموا المسؤولية الشخصية.. وخلال الستة أشهر يتعلم كل مجموعة «حرفة» ستحتاجها «الخطة» (مائة ألف ميكانيكى ـ مائتا ألف خراط وحداد ـ خمسون ألف مهندس ـ خمسون ألف تقنى وفنى ـ ثلاثون ألف مدير تنفيذى).. وهكذا طبقاً لاحتياجات الخطة التى تقرر أن تكون خلال تسع سنوات فقط، لتصل ماليزيا من أسفل السلم إلى قمته، وليرتفع دخل الفرد من ٦٠٠ دولار سنوياً إلى ١٨ ألف دولار ثم ٢٥ ألفاً فى المتوسط.

ولم يكتفوا بحلم الاكتفاء الذاتى، والانغلاق على أنفسهم.. بل كان الحلم أكبر وأوسع «بغزو الأسواق العالمية»..

والسؤال: ماذا ينقصنا لكى نبدأ من الغد فى الإعداد «لمعسكرات تدريب وتأهيل وإعداد» كل من هم فى سن العمل لتجهيزهم للمشاركة فى بناء «مصر الجديدة»؟
 
«المعسكرات» والحمد لله فى كل أركان الجمهورية.. و«الشباب» طوابير على المقاهى والغرز.. و«المعلمون والخبراء»، من المصريين بالخارج والداخل بيتنشأوا على فرصة للمشاركة فى بناء طوبة بجدار هذا الوطن كمتطوعين.. و«التمويل» بربع ثمن قطعة أرض واحدة من المعسكرات أو المطارات الملاصقة للعاصمة (مطار غرب القاهرة بجوار القرية الذكية يمكن نقله ٥٠ كيلومتراً فى الصحراء المجاورة.. أو أرض معسكر الأمن المركزى الملاصق له يمكن تأهيل وتدريب وتعليم وانضباط ٥ ملايين شاب وفتاة خلال ستة أشهر ستحتاجهم خطة بناء مصر بعد انتخاب الرئيس القادم..
 
فلماذا لا نستعد من الآن..  ونحن جميعاً نعلم أن «التحدى الحقيقى» هو:

١- إعادة بناء الإنسان المصرى.
٢- إعادة بناء «التشريعات، والقوانين، واللوائح، والقرارات» التى تمكن البيروقراطية المصرية العقيمة والروتين العفن من القفز على التخلف إلى التطور والتحديث والتقدم. 

إذن أصبح ملحاً ومطلوباً الآن: استحداث «وزارة لبناء الإنسان» تتولى شؤونه، وتعيده إلى ما يجب أن يكون عليه، لتنطبق عليه المواصفات القياسية للإنسان الحديث والمتحضر.

أرجو أن يتبنى «المجلس الاستشارى» هذه الأفكار، لتضعها الحكومة فى أولوياتها لنتحرك بالتوازى فى التأسيس للمستقبل وحتى لا نضيع وقتاً أكثر مما ضاع!!

دروس الثورة الفرنسية

بقلم   د. محمود عمارة    ٢٨/ ١١/ ٢٠١١
------------------------------------------------

لعل التكرار يعلم الشطار.. أعيد نشر هذا المقال للمرة الثالثة بعد نشره فى ١٤ مارس الماضى، ثم فى يونيو الماضى، وها هو للمرة الثالثة:

هو مستشرق فرنسى مقيم بمصر منذ أربع سنوات، ومجنون بالتاريخ المصرى والحضارة الفرعونية ككل الفرنسيين.. على مدى السنوات الأربع كنا متفقين على أن هناك «ثورة» قادمة، وحددنا لها تاريخ ٢٠١١- ٢٠١٢.. ولكن كنا مختلفين على من سيقوم بها.. كان رأيى أنها ستكون «ثورة جياع».. وكان رأيه أنها ستكون «ثورة غضب» ضد الظلم.. ضد الفساد.. ضد الثروة التى احتكرها ربع فى المائة من الثمانين مليوناً!!

(كانت فرنسا قبل قرنين هى حاملة لواء الزعامة فى أوروبا، ومركزا للإبداع والتفوق والصدارة.. حتى ابتليت بالملك لويس الخامس عشر الذى كان غارقا فى ملذاته وفُحشه، وانعزاله عن شعبه بفضل «الحاشية» المبتذلة والفاسدة من النبلاء ورجال الكنيسة، التى كانت لا تعترف بأى سلطات للأمة أو حق مشاركتها فى اتخاذ القرار، فكثر اللصوص من كبار موظفى الدولة والمديرين، وكل من يعينهم الملك أو زوجته أو الدائرة المقربة من البلاط.. وازداد عدد «المنافقين» المستفيدين من النظام.. ولكنهم جميعا كانوا «قلة» بالمقارنة بالملايين المحرومة!!

وفى ظل هذا الفوران الشعبى، سطع نجم بعض ممثلى الشعب.. وظهرت الصحافة الحرة لأول مرة، ونشأت الأندية والجمعيات الثقافية التى أصبحت قوة فرضت نفسها على الساحة، وصبت نار غضبها على زوجة الملك وحاشيتها الذين وصل بهم الأمر إلى رفت كل من يخالف أوامرهم.. وتحت ضغط المظاهرات والأفكار الثورية، سقط الملك وألغيت الملكية.. وتمت محاكمة الملك وزوجته بتهمة التآمر ضد الشعب.. وفى ٢١ يناير ١٧٩٣ تم إعدامهما «بقطع رأسيهما بالمقصلة» أمام الجماهير، ومعهما أكثر من ١٥٠٠ من المعاونين والداعمين.. لتصبح أكبر مذبحة علنية فى التاريخ!!

وفى غمار الفرحة بدأت «الأخطاء»:

١- عندما انقسم «الثوار» وتركوا الفرصة ليتجمع فلول وأذناب الملكية، وكل من أضيروا أو تخوفوا من الثورة.. للقيام بعدة ثورات مضادة بأشكال متعددة، وبطرق جهنمية.

٢- والخطأ الثانى عندما انشغل الثوار بالاتهامات والتخوين والعمالة، ومن كان مع الثورة ومن كان ضدها.. لتبدأ مرحلة الصراع الدموى، التى وصلت إلى حد «إعدام» بعض «الثوار» بنفس المقصلة وفى نفس الميدان.. ميدان الباستيل، وبيد رفاقهم، كما أعدموا بعض العلماء الذين شكّوا فى ولائهم أو توانوا فى أداء مهامهم.

٣- وفى ظل انتشار الثورات المضادة التى نجحت فى تقسيم الثوار بالشائعات والدسائس.. عوقبت مدن فرنسية بأكملها مثل ليون وطولون بعقوبات جماعية، لمجرد إظهار تململها من الثوار بعد أن ساءت الأحوال الاقتصادية، وانتشر الفقر، وازداد الناس بؤسا، لتبدأ عمليات الخطف والاستيلاء على الممتلكات الخاصة وانتشار البلطجة والسرقات وتفشى الجوع والخوف.. مما سهّل صعود نابليون بونابرت إلى عرش الحكم كأول رئيس لأول جمهورية فرنسية فى ١٨٠٤، بعد عشرين سنة من الاضطرابات والمذابح والفوضى.

باختصار: كانت أخطاء الثورة الفرنسية كالتالى:

١- انشغال الثوار بتصفية الحسابات والجرى وراء الشائعات والاتهامات، ومحاولة البعض خطف الأضواء وجنى الثمار، والبحث عن زعامات.. مما جعل «الثورة تأكل أبناءها» بإعدام بعضهم البعض.

٢- نجاح الثورات المضادة فى تجييش الطبقات الفقيرة التى زادت معاناتها، مما دفعها للتململ والتمرد والاعتصامات والاحتجاجات، وجعلتهم يترحمون على أيام الملك.

٣- طول مدة الحركة الثورية، التى استمرت لعشرين سنة بعد الثورة، أدى إلى انهيار الاقتصاد القومى، فانتشرت الدعارة وعمليات النصب والاحتيال وازدادت الفرقة بين الناس).

وقبل نهاية الجلسة جاء السؤال: كيف ترى الثورة المصرية؟.. وما هى الأخطار من وجهة نظرك؟ وجاءت الإجابة على لسانه عندما قال: حتى الآن هى أعظم الثورات على مر التاريخ لسببين:

أولهما: أنها سلمية - بيضاء - نقية، وبلا تكلفة.. مع كل احترامنا وتقديرنا للشهداء والمصابين، وعليكم برعاية أسرهم ولا تنسوهم أبدا.

ثانيهما: أنها ثورة بلا قيادات، وكل واحد من الشباب ينكر ذاته.. وقلة نادرة هى التى تحاول جنى الثمار وستفشل.. ولهذا لا خوف من أن تأكل الثورة أبناءها حالياً.

أما المخاطر فهى هائلة ومخيفة للأسباب التالية:

أولا: ضعف الاقتصاد المصرى.. وفقر وجهل وعشوائية الملايين الذين يمكن دفعهم إلى مظاهرات واحتجاجات، لا يمكن حساب نتائجها إذا طال زمن تلبية مطالبهم، خاصة أن أغلبيتهم من موظفى الدولة الذين كانوا يعيشون على «الإكراميات» أو ما نسميه نحن «الرشاوى».. ونظرا لتوقف المستثمرين عن التوسع فى مشروعاتهم أو بدء مشروعات جديدة، والقبض على اللصوص من كبار رجال الأعمال سيحرم هؤلاء من «الفارق» بين رواتبهم والتزاماتهم.. مع احتمالية ارتفاع أسعار الغذاء فى الأشهر المقبلة.

ثانياً: إذا تأخرت الحكومة فى طرح مشروعات قومية لبث الأمل، وجذب استثمارات أجنبية وعربية، وتقديم «مشروع تنموى» يماثل مشروع مارشال الذى أعاد بناء أوروبا، فسوف تجدون أنفسكم فى خطر كبير، ولن أقول «ثورة جياع» فى العام القادم ٢٠١٢!!

ثالثاً: التسرع فى نقل السلطة من الجيش إلى الشعب خلال ستة أشهر سوف يعطى الفرصة لـ«جماعة الإخوان» بكل تياراتها وأطيافها للقفز على السلطة.. وتدخل مصر فى «دوامة» أو فى طريق مسدود.. وهذا للأسف احتمال كبير جدا!!

رابعاً: عليكم أن تعلموا أن «أعداء الثورة» أكثر عدداً وتنظيماً وتغلغلاً فى المؤسسات الرسمية، وسوف يحاولون إفشال هذه الثورة، لتقليب الشعب عليها!!

ولكن فى النهاية أقول لكم: «إننى أثق فى عقل وحكمة وعبقرية المصريين، ومخزونهم الحضارى.. ومازلت أراهن على أحفاد الفراعنة»!!

رغيف العيش

بقلم   د. محمود عمارة    ٢١/ ١١/  ٢٠١١
-----------------------------------

ما شاء الله.. وكأننا دولة بترولية ثرية.. لديها فوائض وخزائن وأرصدة.. ولا ينقصنا سوى «الديمقراطية».. الديمقراطية التى اختصرناها فى «صناديق الانتخاب».. ونسينا أن أساس البناء الديمقراطى، وتأسيس النهضة يبدأ بتأمين «رغيف العيش»!!

متجاهلين تجارب دول أمريكا اللاتينية، التى اهتمت فى الثمانينيات بالبناء الديمقراطى، وهللت، وزغردت للصناديق الزجاجية الشفافة فى الانتخابات.. ونسوا «الإنجازات الاقتصادية».. فكفر الناس بالديمقراطية، وخرجوا للشوارع مطالبين بإسقاط هذه الديمقراطية التى عجزت عن توفير «الخبز»، ولم تحقق للناس معيشة أفضل!!

ولهذا أتعجب ومعى كثيرون.. من الأداء الردىء «للنخبة المصرية الدينية والليبرالية» القائدة لحركة المجتمع، التى انهمكت فى التحليل، والتنظير، والاستقطاب، والبحث والتنقيب لتغرقنا فى أعماق بحور السياسة، وهى تعلم أننا فى سنة أولى «كى جى وان»، والبلد فى وضع حرج، والتركة ثقيلة وخطيرة، ولا يمكن لهذا المجتمع أن يتحمل كل هذه الانشقاقات والصراعات، والتيه فى دهاليز العمل السياسى باختلاق قضايا جدلية، واصطناع مشاكل أدت إلى فقدان الثقة، وضياع الأمل، وخلقت لنا عداوات مع دول كثيرة كان يمكن أن تتعاون معنا، أو على الأقل نسلم من شرها..

 وبدت «النخبة» وكأنها مجموعة بهلوانات، وحواة يلعبون أدواراً على السيرك المنصوب، والناس تضحك على «الباحثين عن أدوار»، وتهزأ من «الكومبارس»، وتحتقر «الانتهازيين»، وترتعب من المتطرفين، والبعض يتملق الشارع أو حتى العسكريين!!

هذه «المجموعة العسكرية» من «النخبة» الحاكمة هى التى أوقعت المجتمع فى شر أعماله، ووضعت العربة أمام الحصان، لافتقادها الروح الثورية، وبطئها فى اتخاذ القرار، وهى التى أجهضت الثورة ومنحت الفرصة لـ«الفلول» لكى يخرجوا من الجحور، ويحمَّلوا الثوار كل خطايا وميراث ولى نعمهم، ويجاهروا بأن عصر مبارك كان الأفضل مائة مرة مما نحن فيه الآن بعد سقوط الأمن، وسيطرة البلطجية وقطّاع الطرق، وضيق سبل الرزق.

وهو ما حدث بالضبط فى الدول الأفريقية.. بعد أن نجحت فى طرد الاستعمار، وإحلال «النخبة» من أبناء البلد لتتولى الحكم، فتحولوا إلى عصابة من «الفاسدين»، ولم يهتموا برغيف العيش، وتجاهلوا احتياجات المواطن.. فخرجت الشعوب الأفريقية تطالب بعودة «الاستعمار» الذى أنجز لهم السكك الحديدية، والطرق، وبعض المدارس والمستشفيات وفرص العمل.

والسؤال الآن: هل ننتظر حتى يكفر المصريون بالديمقراطية.. ويطالبوا بحاكم «ديكتاتور» على شاكلة فرانكو، أو موسولينى؟

والحل هو: تحقيق إنجازات اقتصادية.. وأولها: تأمين «رغيف العيش».. الذى هو الضامن والضمان لتأسيس النهضة.. 

والمطلوب:

أولاً: ضرورة عقد مؤتمر اقتصادى فورى.. يشارك فيه كل العلماء والخبراء والمتخصصين من المصريين بالداخل والخارج.. لنضع «خارطة طريق» تحدد لنا الهدف، والاستراتيجية، والآليات، والتكلفة، وكيفية التمويل للمشروعات القومية التى تحتاجها النهضة الزراعية للاكتفاء الذاتى من الغذاء بنسبة ١٠٠٪.. و«القمح» على رأس الأولويات.

ثانياً: دعم مراكز البحوث الزراعية بما يعادل راتب «مدربى الكرة» والحكام الأجانب وأندية البترول والجيش والشرطة، لتجهيز «تقاوى» بذرة قمح تكفى لزراعة الـ٣.٢ مليون فدان التى نزرعها سنويا، وهذه التقاوى تنتج من ٢٤ إلى ٣٠ إردباً للفدان، كما هو الحال فى تقاوى «مصر ١ + مصر ٢».. (اضرب ٣.٢ مليون فدان * متوسط ٢٧ إردباً * ١٥٠ كيلو = ١٣ مليون طن (نحن ننتج ٦ ملايين، ونستورد ٩ ملايين طن سنويا، لنصبح أكبر مستورد للقمح فى العالم)!

ثالثا: الزراعة «بالتسطير» أى بالميكنة الحديثة والصالحة حتى لفدان واحد لتوفر فى التقاوى من ٩٥ كيلو/ فدان إلى ٦٥ كيلو/ فدان.

رابعاً: اختيار الأصناف المناسبة لكل محافظة مع توفير التقاوى قبل الموسم، وبسعر القمح العادى حتى يقبل الفلاحون على شرائها واستخدامها (سعر الشيكارة الآن ١٢٥ جنيهاً - فلماذا لا توزع بـ٨٠ جنيهاً مثلا)؟!

خامساً: استحداث قطاع بوزارة الزراعة.. يجمع بين: مركز البحوث للتقاوى + مراكز الإرشاد + أصحاب ومديرى الصوامع + ممثلين لكبار وصغار ومزارعى الحبوب + التعاونيات.. حتى لا يعمل كل واحد فى جزيرة منعزلة كما هو الحال الآن.

سادساً: بناء ٥٠ صومعة بكل محافظة «فى المتوسط» كل صومعة تستوعب ٥ آلاف طن ثمنها ٢.٥ مليون جنيه «استيراد من رومانيا»، أو يتم بناؤها محليا بالأسمنت والتكلفة مليون جنيه فقط.. وبهذا نوفر ٢ مليون طن تأكلها العصافير، والفئران، والسرقات، والأتربة بالطريقة الحالية فى التشوين.. وبهذا نكتفى ذاتيا بنسبة ١٠٠٪، ولا نحتاج شيئاً من أى أحد ويصبح قرارنا من رؤوسنا، ونبطل نمد أيدينا.

سابعاً: نجاح وزير الزراعة، واستمرار الوزارة مرهون بتحقيق الاكتفاء الذاتى من الحبوب خلال موسمين زراعيين - الموسم الأول لتجهيز التقاوى، والمطلوب ٢٥٠ ألف طن تقاوى من مساحة ١٢٥ ألف فدان.. والموسم الثانى لزراعة الـ٣.٢ مليون فدان بالتقاوى المنتقاة، وبالطرق العلمية المعروفة.. وللانتهاء من بناء الصوامع المطلوبة للتخزين.

وبهذا لن نحتاج لأكثر من موسمين زراعيين أو حتى ٣ مواسم لنكتفى ذاتيا، ونضمن أن «رغيف العيش» من صنع أيدينا، كما فعلت دول كثيرة أقل منا ١٠٠ مرة!!

اقرأوا «التجربة الفساوية».. لتعرفوا كيف استطاعت دولة بوركينا فاسو أن تكتفى ذاتيا من الحبوب فى ٣ سنوات.. وأصبحت أيضا أولى دول أفريقيا فى إنتاج وتصدير القطن لتتربع على عرش الذهب الأبيض فهل نحن أقل من بوركينا فاسو؟!
الخلاصة: إن القضية فى الإرادة والإدارة، لا أكثر ولا أقل!

تجربة «الأسواق الفرنسية»

بقلم   د. محمود عمارة    ١٤/ ١١/ ٢٠١١

بما أن السيد محافظ القاهرة قد أعلن الأسبوع الماضى عن أنه يفكر فى إقامة «سويقات» بكل حى من أحياء القاهرة، حتى يتمكن المواطن من شراء السلع والمواد الغذائية من المنتجين مباشرة لقطع أيادى الوسطاء والسماسرة المتسببين فى الارتفاع الجنونى للأسعار، فها هى «التجربة الفرنسية» حتى نستفيد منها إذا طبقناها بحذافيرها، حتى لا نكرر الأخطاء نفسها بمحاولات «اختراع العجلة» من جديد.

هناك الرئيس «ديجول».. رغم قناعته بالفكر «الليبرالى» كمؤسس وزعيم للحزب «اليمينى»، ورغم إيمانه بالاقتصاد الحر وآليات السوق.. فإنه كان «يفهم» و«يعى» جيداً خطورة هذا «الفكر» إذا لم تحكمه «ضوابط» صارمة، و«نظم» عادلة، وقوانين حاسمة. فماذا فعل الجنرال «ديجول» لحماية المستهلكين من جشع بعض التجار، واستغلالهم؟

أولاً: بجانب قوانين منع الاحتكار، وحرية تداول المعلومات والبيانات.. وإنشاء محاكم تجارية متخصصة.. وإصدار حزمة قوانين رادعة، وقاسية تضع أى «مخالف» وراء القضبان فقد بدأ بالتالى:

١- منح الشرطة حق الضبطية القضائية، وذلك لمساعدة مفتشى التموين، والصحة على أداء دورهم كـ«رقابة حكومية».. فمن حقها مطالبة أى تاجر بإبراز فواتير شراء السلعة + إجبار التاجر على كتابة «السعر» فوق السلعة المعروضة للبيع + التأكد من تاريخ الإنتاج والصلاحية.. إلخ وتحرير المخالفات، ليحكم فيها القضاء بالغرامات الهائلة، أو إغلاق المحل، أو سحب التراخيص، والحبس عند التكرار

 ٢- بجانب الرقابة الحكومية شجعت الدولة ودعمت «الجمعيات الأهلية» وسلحتها لتقوم بدور «الرقابة الشعبية» لملاحقة التجار المخالفين، والغشاشين. ونظرا لمشاركة المحامين، والشخصيات العامة، والصحفيين كمتطوعين بهذه المجتمعات، أصبحت أقوى من الرقابة الحكومية فى الدفاع عن حقوق المستهلكين، بعد أن أصبحت لها ميزانيات ضخمة من التبرعات، وصحف تنطق باسمها، وبرامج تليفزيونية تعبر عن رأيها، و«لوبى» داخل قبة البرلمان لإصدار أو تعديل القوانين لحماية المستهلكين.

ثانيا: قبل أن يوافق «ديجول» على التصريح بإنشاء «سلاسل» تجارية فى الستينيات- مثل «كارفور» أو غيرها- اشترط أن تكون هذه «السلاسل» على أطراف المدن لحماية «البقالين» ومحال السوبر ماركت الصغيرة.. والأهم أنه «ألزم» المجالس المحلية فى كل أنحاء فرنسا بإحياء فكرة «الأسواق الشعبية» وزيادة عددها بكل قرية ومدينة، وحى.. «باريس مقسمة إلى ٢٠ حياً- بها ٩٥ سوقا شعبية- تباع فيها السلع من المنتج إلى المستهلك- مواد غذائية من لحوم- أسماك- ألبان- خضر وفاكهة+ أدوات منزلية+ ملابس شعبية+ أنتيكات+ نباتات زينة وزهور، وورود». بالإضافة إلى «المعروضات الحقلية» على الطرق وأمام كل مزرعة.. والتى تقف زوجة المزارع بنفسها تبيع للجمهور منتجات المزرعة بأسعار تقل ٣٠ و٤٠٪ عن ثمنها + «معارض» محلية على مستوى القرى لمنتجات كل إقليم، تبيع للزائرين والسائحين منتجات طازجة وبأسعار الجملة. لماذا ٤ أسواق بكل حى فى باريس والمدن الكبرى؟

١- حتى لا تنفرد السلاسل التجارية بالمستهلكين، وحتى لا تسغل المحال الصغيرة وترفع الأسعار بالاتفاق مع بعضها، فتضر بالمواطنين.

٢- لمنع وتقليل «الوسطاء» الذين يحصلون على «قومسيونات» متعددة بلا داع فيتسبب ذلك فى غلاء الأسعار.

٣- لتقليل الفاقد.. الذى يحدث مع كثرة التداول من يد إلى أخرى- وكلما زاد الفاقد لدى التاجر، أضافه للسعر الذى يدفعه المستهلك.

٤- «الصحة العامة».. هذه «الأسواق الشعبية» مغطاة، ومجهزة، ونظيفة لحماية السلع من «التلوث» الذى تتعرض له على الأرصفة، والشمس الحارقة التى تتسبب فى فسادها.

٥- «سهولة الرقابة».. سواء كانت رقابة حكومية أو شعبية، فمكان «السوق» محدد، ودائم.. واسم التاجر مكتوب على الرخصة لدى الجهة المؤجرة والمشرفة.

٦- «سيولة حركة المرور» بالشوارع والحوارى والميادين المكدسة بالباعة الجائلين.. الذين سيتم تجميعهم ومنحهم تصاريح وأماكن محددة لعرض سلعهم مقابل إيجار رمزى للنظافة.

٧- «الشكل الحضارى».. فى الغرب لا يعتبرون هذه «الأسواق» مكانا لتبادل السلع فحسب، لكنها أيضاً لتبادل الأفكار، والآراء، وللحوار بين المستهلكين والتجار، وبين الجميع والمسؤولين، ولهذا يبدأ المرشحون للانتخابات النيابية والمحلية وحتى الرئاسية بالنزول لهذه «الأسواق الشعبية» لعرض برامجهم الانتخابية، خاصة أنها نظيفة، ومنظمة، وحضارية، ولهذا ترتادها سيدات المجتمع لمتعة السوق، وللتواصل مع الآخرين. وحتى تكتمل، وتتبلور الفكرة.. أدعوكم للمشاركة بآرائكم وأفكاركم على بريدى الإلكترونى عاليه.. لنصل إلى إنشاء «أسواق شعبية» فى كل محافظات الجمهورية خلال الـ١٢ شهراً القادمة، لخدمة ٨٥ مليون مستهلك.. «يستنجدون» و«يستغيثون» من غلاء المعيشة!!

نقطة ضوء:

١- قرر محافظ الوادى الجديد «اللواء طارق المهدى» التعاقد مع مراكز البحوث لشراء مليون فسيلة نخيل من الأنواع المنتجة للتمور عالية القيمة، وغالية الثمن، والتى اقترحناها عليه، بعيداً عن الأنواع المحلية القديمة.

٢- قرر وزير الزراعة تبنى فكرتنا بزراعة ١٥ مليون شتلة زيتون، ليصبح لدينا ٣٠ مليون شجرة زيتون، علماً بأن سوريا زرعت منذ ٣ سنوات ٩٠ مليون شتلة زيتون.. عموما هذه بداية طيبة لتنفيذ بعض الأفكار التى تساهم فى التنمية الزراعية، وزيادة دخل المزارعين.