الجمعة، 6 أبريل 2012

« وزارة » لإعادة بناء الإنسان

بقلم   د. محمود عمارة    ١٢/ ١٢/ ٢٠١١
---------------------------------------------

 
يوم الإثنين الماضى، وأثناء التعثر فى تشكيل الحكومة.. اتصل بى صديقنا المحترم د. إبراهيم فوزى، وزير الصناعة فى عهد الجنزورى ١٩٩٥، يسألنى: هل توافق على مقابلة رئيس الحكومة غداً «لترشيحك وزيراً للاستثمار»؟

فى البداية وافقت بشروط .. ثم طلبته مرة ثانية وقلت له: استثمار إيه؟.. وبأى عين يمكن الحديث مع أى مستثمر أجنبى أو عربى، أو حتى مصرى فى ظل هذا الانفلااااااااااااات العام؟.. ولو كان لى رأى فقل للدكتور الجنزورى انس حكاية «وزارة للاستثمار» فى هذه المرحلة، وإذا أمكن، فالمطلوب هو «وزارة للتدريب والتأهيل والانضباط» وزارة جد بجد، وليس «كلاماً» للاستهلاك المحلى.. كما حدث عام ٨٤ عندما اختاروا الفريق كمال حسن على رئيسا للحكومة وهو فى زيارة للولايات المتحدة الأمريكية، وفى طريقه لتسلم وظيفته توقف بباريس، وعقد معنا اجتماعاً بمنزل السفير رفيق صلاح الدين، ليقرأ علينا «خطاب التكليف».. الذى جاء أول سطر فيه:

إن الواجب الأول للحكومة هو: «إعادة بناء الإنسان المصرى بالتدريب والتأهيل والانضباط».. بعد ٣٢ سنة من ثورة ٥٢!! وقد رأينا من ٨٤ وحتى الآن.. ماذا فعلوا بالإنسان المصرى؟.. الإنسان المصرى الذى لم يستثمر فيه «مليم أحمر»، لا فى تعليمه، ولا فى صحته، ولا فى تأمين مستقبله، ولا حتى فى توفير مدفن له عند وفاته بأى مرض أصابوه به.

«الإنسان المصرى».. الذى كان فخراً لنا فى أى مكان بعالمنا العربى.. الذى اعتمد فيه على «المصريين» بدأ من مدرسى اللغة العربية بالجزائر وبلاد المغرب العربى وحتى اليمن، ومن مهندسيه وخبرائه وقانونييه لإقامة البنية التحتية والفوقية بدول الخليج.. «الإنسان المصرى» الذى انطبق عليه كثير من «المواصفات القياسية للإنسان» فى الأدب والتربية، والثقافة، والنشاط، والانضباط إلى أن «انهار» فى ٦٧.. ثم قامت قيامته فى ٧٣ التى أعادت له الروح.. ثم وضعناه فى «خلاط» لنشرب منه كل السلبيات بعد تهجيره للبحث عن الريال والدينار والدولار!!

«الإنسان المصرى».. الذى تحمل كل أنواع القهر، وكل أشكال التجهيل، وكل صور الفساد والإفساد والتهميش.

هذا الإنسان الذى أصبح «مشوهاً» نتيجة لما جرى له.. يحتاج الآن إلى رعاية خاصة.. إلى علاج نفسى يبث فيه الأمل، لطمأنته وتهدئته.. يحتاج إلى إعادة تأهيله بالتدريب العملى والتعليم الحقيقى.. ولدينا النموذج الماليزى الذى بدأ فى ١٩٨١ عندما جاء «مهاتير محمد» وقرر «بناء ماليزيا الجديدة»، وكان التحدى الأكبر هو الإنسان الماليزى المنهار، والذى لا يصلح لأى شىء سوى زراعة أشجار المطاط، والتسكع فى الحوارى، ومنافسة الحيوانات بالغابات، وإدمان الخرافات واصطياد الشائعات، واختلاق المشاكل بين الأديان والمعتقدات (كان هناك ٣٢ ديانة ومعتقداً) وكانت الأمور تبدو معقدة ومستحيلة وتحتاج إلى معجزات!!

وكان أول قرار لـ«مهاتير محمد» هو: فتح كل معسكرات الجيش أمام الشباب والفتيات من ١٨ إلى ٤٠ سنة لإعادة تأهيلهم وتدريبهم وتعليمهم خلال ٦ أشهر.. لا يخرجون من المعسكر إلا مرة واحدة كل ٤٥ يوماً حتى لا يتلوثوا بما يحدث فى الشارع، أو فى منازلهم وليعتادوا على حياة «الانضباط».. لإعمال الساعة «البيولوجية» فى الصحيان مبكراً والنوم مبكراً.. وليتعلموا المسؤولية الشخصية.. وخلال الستة أشهر يتعلم كل مجموعة «حرفة» ستحتاجها «الخطة» (مائة ألف ميكانيكى ـ مائتا ألف خراط وحداد ـ خمسون ألف مهندس ـ خمسون ألف تقنى وفنى ـ ثلاثون ألف مدير تنفيذى).. وهكذا طبقاً لاحتياجات الخطة التى تقرر أن تكون خلال تسع سنوات فقط، لتصل ماليزيا من أسفل السلم إلى قمته، وليرتفع دخل الفرد من ٦٠٠ دولار سنوياً إلى ١٨ ألف دولار ثم ٢٥ ألفاً فى المتوسط.

ولم يكتفوا بحلم الاكتفاء الذاتى، والانغلاق على أنفسهم.. بل كان الحلم أكبر وأوسع «بغزو الأسواق العالمية»..

والسؤال: ماذا ينقصنا لكى نبدأ من الغد فى الإعداد «لمعسكرات تدريب وتأهيل وإعداد» كل من هم فى سن العمل لتجهيزهم للمشاركة فى بناء «مصر الجديدة»؟
 
«المعسكرات» والحمد لله فى كل أركان الجمهورية.. و«الشباب» طوابير على المقاهى والغرز.. و«المعلمون والخبراء»، من المصريين بالخارج والداخل بيتنشأوا على فرصة للمشاركة فى بناء طوبة بجدار هذا الوطن كمتطوعين.. و«التمويل» بربع ثمن قطعة أرض واحدة من المعسكرات أو المطارات الملاصقة للعاصمة (مطار غرب القاهرة بجوار القرية الذكية يمكن نقله ٥٠ كيلومتراً فى الصحراء المجاورة.. أو أرض معسكر الأمن المركزى الملاصق له يمكن تأهيل وتدريب وتعليم وانضباط ٥ ملايين شاب وفتاة خلال ستة أشهر ستحتاجهم خطة بناء مصر بعد انتخاب الرئيس القادم..
 
فلماذا لا نستعد من الآن..  ونحن جميعاً نعلم أن «التحدى الحقيقى» هو:

١- إعادة بناء الإنسان المصرى.
٢- إعادة بناء «التشريعات، والقوانين، واللوائح، والقرارات» التى تمكن البيروقراطية المصرية العقيمة والروتين العفن من القفز على التخلف إلى التطور والتحديث والتقدم. 

إذن أصبح ملحاً ومطلوباً الآن: استحداث «وزارة لبناء الإنسان» تتولى شؤونه، وتعيده إلى ما يجب أن يكون عليه، لتنطبق عليه المواصفات القياسية للإنسان الحديث والمتحضر.

أرجو أن يتبنى «المجلس الاستشارى» هذه الأفكار، لتضعها الحكومة فى أولوياتها لنتحرك بالتوازى فى التأسيس للمستقبل وحتى لا نضيع وقتاً أكثر مما ضاع!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق