بقلم د. محمود عمارة ١٤/ ١١/ ٢٠١١
بما أن السيد محافظ القاهرة قد أعلن الأسبوع الماضى عن أنه يفكر فى إقامة «سويقات» بكل حى من أحياء القاهرة، حتى يتمكن المواطن من شراء السلع والمواد الغذائية من المنتجين مباشرة لقطع أيادى الوسطاء والسماسرة المتسببين فى الارتفاع الجنونى للأسعار، فها هى «التجربة الفرنسية» حتى نستفيد منها إذا طبقناها بحذافيرها، حتى لا نكرر الأخطاء نفسها بمحاولات «اختراع العجلة» من جديد.
هناك الرئيس «ديجول».. رغم قناعته بالفكر «الليبرالى» كمؤسس وزعيم للحزب «اليمينى»، ورغم إيمانه بالاقتصاد الحر وآليات السوق.. فإنه كان «يفهم» و«يعى» جيداً خطورة هذا «الفكر» إذا لم تحكمه «ضوابط» صارمة، و«نظم» عادلة، وقوانين حاسمة. فماذا فعل الجنرال «ديجول» لحماية المستهلكين من جشع بعض التجار، واستغلالهم؟
أولاً: بجانب قوانين منع الاحتكار، وحرية تداول المعلومات والبيانات.. وإنشاء محاكم تجارية متخصصة.. وإصدار حزمة قوانين رادعة، وقاسية تضع أى «مخالف» وراء القضبان فقد بدأ بالتالى:
١- منح الشرطة حق الضبطية القضائية، وذلك لمساعدة مفتشى التموين، والصحة على أداء دورهم كـ«رقابة حكومية».. فمن حقها مطالبة أى تاجر بإبراز فواتير شراء السلعة + إجبار التاجر على كتابة «السعر» فوق السلعة المعروضة للبيع + التأكد من تاريخ الإنتاج والصلاحية.. إلخ وتحرير المخالفات، ليحكم فيها القضاء بالغرامات الهائلة، أو إغلاق المحل، أو سحب التراخيص، والحبس عند التكرار
٢- بجانب الرقابة الحكومية شجعت الدولة ودعمت «الجمعيات الأهلية» وسلحتها لتقوم بدور «الرقابة الشعبية» لملاحقة التجار المخالفين، والغشاشين. ونظرا لمشاركة المحامين، والشخصيات العامة، والصحفيين كمتطوعين بهذه المجتمعات، أصبحت أقوى من الرقابة الحكومية فى الدفاع عن حقوق المستهلكين، بعد أن أصبحت لها ميزانيات ضخمة من التبرعات، وصحف تنطق باسمها، وبرامج تليفزيونية تعبر عن رأيها، و«لوبى» داخل قبة البرلمان لإصدار أو تعديل القوانين لحماية المستهلكين.
ثانيا: قبل أن يوافق «ديجول» على التصريح بإنشاء «سلاسل» تجارية فى الستينيات- مثل «كارفور» أو غيرها- اشترط أن تكون هذه «السلاسل» على أطراف المدن لحماية «البقالين» ومحال السوبر ماركت الصغيرة.. والأهم أنه «ألزم» المجالس المحلية فى كل أنحاء فرنسا بإحياء فكرة «الأسواق الشعبية» وزيادة عددها بكل قرية ومدينة، وحى.. «باريس مقسمة إلى ٢٠ حياً- بها ٩٥ سوقا شعبية- تباع فيها السلع من المنتج إلى المستهلك- مواد غذائية من لحوم- أسماك- ألبان- خضر وفاكهة+ أدوات منزلية+ ملابس شعبية+ أنتيكات+ نباتات زينة وزهور، وورود». بالإضافة إلى «المعروضات الحقلية» على الطرق وأمام كل مزرعة.. والتى تقف زوجة المزارع بنفسها تبيع للجمهور منتجات المزرعة بأسعار تقل ٣٠ و٤٠٪ عن ثمنها + «معارض» محلية على مستوى القرى لمنتجات كل إقليم، تبيع للزائرين والسائحين منتجات طازجة وبأسعار الجملة. لماذا ٤ أسواق بكل حى فى باريس والمدن الكبرى؟
١- حتى لا تنفرد السلاسل التجارية بالمستهلكين، وحتى لا تسغل المحال الصغيرة وترفع الأسعار بالاتفاق مع بعضها، فتضر بالمواطنين.
٢- لمنع وتقليل «الوسطاء» الذين يحصلون على «قومسيونات» متعددة بلا داع فيتسبب ذلك فى غلاء الأسعار.
٣- لتقليل الفاقد.. الذى يحدث مع كثرة التداول من يد إلى أخرى- وكلما زاد الفاقد لدى التاجر، أضافه للسعر الذى يدفعه المستهلك.
٤- «الصحة العامة».. هذه «الأسواق الشعبية» مغطاة، ومجهزة، ونظيفة لحماية السلع من «التلوث» الذى تتعرض له على الأرصفة، والشمس الحارقة التى تتسبب فى فسادها.
٥- «سهولة الرقابة».. سواء كانت رقابة حكومية أو شعبية، فمكان «السوق» محدد، ودائم.. واسم التاجر مكتوب على الرخصة لدى الجهة المؤجرة والمشرفة.
٦- «سيولة حركة المرور» بالشوارع والحوارى والميادين المكدسة بالباعة الجائلين.. الذين سيتم تجميعهم ومنحهم تصاريح وأماكن محددة لعرض سلعهم مقابل إيجار رمزى للنظافة.
٧- «الشكل الحضارى».. فى الغرب لا يعتبرون هذه «الأسواق» مكانا لتبادل السلع فحسب، لكنها أيضاً لتبادل الأفكار، والآراء، وللحوار بين المستهلكين والتجار، وبين الجميع والمسؤولين، ولهذا يبدأ المرشحون للانتخابات النيابية والمحلية وحتى الرئاسية بالنزول لهذه «الأسواق الشعبية» لعرض برامجهم الانتخابية، خاصة أنها نظيفة، ومنظمة، وحضارية، ولهذا ترتادها سيدات المجتمع لمتعة السوق، وللتواصل مع الآخرين. وحتى تكتمل، وتتبلور الفكرة.. أدعوكم للمشاركة بآرائكم وأفكاركم على بريدى الإلكترونى عاليه.. لنصل إلى إنشاء «أسواق شعبية» فى كل محافظات الجمهورية خلال الـ١٢ شهراً القادمة، لخدمة ٨٥ مليون مستهلك.. «يستنجدون» و«يستغيثون» من غلاء المعيشة!!
نقطة ضوء:
١- قرر محافظ الوادى الجديد «اللواء طارق المهدى» التعاقد مع مراكز البحوث لشراء مليون فسيلة نخيل من الأنواع المنتجة للتمور عالية القيمة، وغالية الثمن، والتى اقترحناها عليه، بعيداً عن الأنواع المحلية القديمة.
٢- قرر وزير الزراعة تبنى فكرتنا بزراعة ١٥ مليون شتلة زيتون، ليصبح لدينا ٣٠ مليون شجرة زيتون، علماً بأن سوريا زرعت منذ ٣ سنوات ٩٠ مليون شتلة زيتون.. عموما هذه بداية طيبة لتنفيذ بعض الأفكار التى تساهم فى التنمية الزراعية، وزيادة دخل المزارعين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق