بقلم د. محمود عمارة ١٩/ ١٢/ ٢٠١١
-----------------------------------------------
كل من عاش فى أوروبا عموماً، وفى فرنسا خصوصاً، له عشرات الأصدقاء التونسيين «مليون تونسى مقيمون هناك»، وبما أننى شاركت مع المخرج التونسى «رضا الباهى» فى إنتاج عدة أفلام سينمائية منتصف الثمانينيات، وكان جزء كبير من هذه الأفلام يتم تصويره بين «سيدى بوسعيد»، والمرسى، وحلق الواد، وسوسة.. مما زاد معرفتى بحياة شعب تونس الخضراء، وازداد معها عدد الصديقات والأصدقاء، وأصبح لهم لدى حق عرب، بعد أن أكلنا سوياً «عيش وكسكسى بالحوت»!!
وبمناسبة احتفالاتهم اليوم بمرور عام على «ثورة الياسمين»، التى بعثت برسالة إلى كل الشباب العربى بأنه «إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر»، وبالتالى أسقطوا أحد كبار الطغاة والسراق، وأجبروه على الهروب مع زوجته التى كانت وراء كل هذا الجشع المادى، والطمع فى وراثة السلطة، فعلينا أن نعترف بأن فضل الثورة التونسية كان عظيماً فى طمأنة الشباب المصرى بأنه «ممكن»، ممكن خلع طاغية مصر الذى هرب هو الآخر إلى شرم، ولم يخطر بباله أنه سيدخل القفص
ومع الثورة الثانية المقبلة، ربما يحاكم بقوانين ثورية قد تؤدى إلى إعدامه مع كل الذين عرّضوا أمن مصر للخطر، وكل الذين أفسدوا الحياة بالمحروسة، والذين جهلوا معظم أبناء هذا الشعب، وحطموا الشخصية المصرية، وجعلونا هكذا «أمة ضحكت من جهلها الأمم. الفارق بين «بن على»، و«مبارك»، أن «بن على» وعائلته وبعض مقربيه كانوا «لصوصاً» ومستبدين، لكنهم والحق يقال حافظوا على «التعليم» فى تونس كما كان منذ عهد الاحتلال، مروراً بعصر الحبيب بورقيبة، ولهذا تجد معظم التوانسة منفتحين على العالم، ويستطيعون التمييز بين الغث والثمين، وقادرين على إدارة شؤون أنفسهم، ولهذا السبب قفزوا إلى الطريق السليم بأقل خسائر، لتصبح ثورتهم هى «أرخص الثورات» فى التاريخ، وأسرعها فى إعادة بناء نظام جديد يحقق آمال وطموحات الشعب التونسى، وخلال بضع سنوات ستصبح تونس بالستة ملايين تونسى هى إحدى الدول المضيئة والملهمة لشمال أفريقيا، وهم يستحقون!
أما «مبارك» وحاشيته البزرميط، ووارثوه، فهؤلاء كانوا لصوصاً بامتياز، وببجاحة، وبلا ضمير، لأنهم منهجوا أساليب ونظماً للقضاء على الشخصية المصرية بغرض تسهيل «ركوب» هذا الشعب لأقصى مدة ممكنة ليحكمها جمال، وربما الحفيد.. ولم يقرأوا تاريخ هذا الشعب، ولم يتعلموا حرفاً عن حقيقة الشخصية المصرية التى تصبر صبر أيوب، لكنها إذا ثارت فلن يقدر عليها أحد مهما كان.
صحيح أن ما يحدث اليوم من أشياء مخزية ومحزنة ومن فوق لتحت جعل العالم يضرب أخماساً فى أسداس عن مستقبل هذا الوطن، الذى سيتحدد عليه مستقبل الإقليم والمنطقة، ولم يفهموا كيف أن أحفاد الفراعنة يفعلون كل هذا بأنفسهم وببلدهم، لكن المختصين والفاهمين هناك يدركون أن كل ما يحدث على أرض مصر الآن، وما سيحدث فى الفترة المقبلة هو نتاج حقبة حسنى مبارك ومن سبقوه منذ هزيمة ١٩٦٧، التى كسرت وهزمت وحطمت الإنسان المصرى الذى تم طحنه وعجنه وإعادة خبزه فى السنوات الثلاثين الأخيرة.
والسبب الثانى: «البلوة» التى حلت عليه عندما «كلف» الرئيس السابق المجلس العسكرى بإدارة شؤون البلاد، وهو يعلم جيداً أن هذا هو الحل الوحيد لإنقاذه من حبل المشنقة، وأمله الوحيد فى الوصول بالبلاد إلى حالة الفوضى التى ستمكن ولديه من الهروب، وليثبت لنفسه وللعالم أنه كان محقاً فى استبداده بهذا الشعب الذى قال عنه هو وعمر سليمان إنه شعب قاصر، ولا يستحق الحرية أو الكرامة!!
ولهذا تجد «الفلول» الآن يفركون أيديهم، ابتهاجاً بما يحدث الآن، ليثبتوا أمام أسرهم وأبنائهم أنهم كانوا على حق فى تأييد مبارك، ولم يدركوا أن «الثورة» الحقيقية آتية لا ريب فيها، وسوف تعاد محاكمة كل من شارك فى تعريض أمن وسلامة هذا الوطن لمثل هذا الخطر.
تحية للشعب التونسى، وألف مبروك لهذا «التوافق» المحترم، ومليون سلام لكل الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم، وتحية خاصة إلى صديقنا مسيو «منصف المرزوقى» الذى كان يعيش معنا فى باريس، وظل صامداً طوال ٢٣ سنة يقاوم ظلم بن على، وها هو اليوم رئيس مؤقت لشقيقتنا أم «أبى القاسم الشابى»، و«بوعزيزى».. وبقدر فرحتنا بالاحتفالات الموسيقية بكل المدن التونسية التى خرج فيها كل أبناء الشعب هناك يرقصون، ويغنون، ويتمايلون طرباً وفخراً بما حققوه، نعدهم بأن «أحفاد الفراعنة» سيلحقون بهم، وستعم الفرحة قلوب المصريين، وستعود الابتسامة إلى الوجوه قريباً جداً، لأنه لن يصح إلا الصحيح، وعلى الكل أن يفهم ويستوعب ذلك، بعيداً عن الغطرسة والتعالى وحقناً للدماء!!
-----------------------------------------------
كل من عاش فى أوروبا عموماً، وفى فرنسا خصوصاً، له عشرات الأصدقاء التونسيين «مليون تونسى مقيمون هناك»، وبما أننى شاركت مع المخرج التونسى «رضا الباهى» فى إنتاج عدة أفلام سينمائية منتصف الثمانينيات، وكان جزء كبير من هذه الأفلام يتم تصويره بين «سيدى بوسعيد»، والمرسى، وحلق الواد، وسوسة.. مما زاد معرفتى بحياة شعب تونس الخضراء، وازداد معها عدد الصديقات والأصدقاء، وأصبح لهم لدى حق عرب، بعد أن أكلنا سوياً «عيش وكسكسى بالحوت»!!
وبمناسبة احتفالاتهم اليوم بمرور عام على «ثورة الياسمين»، التى بعثت برسالة إلى كل الشباب العربى بأنه «إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر»، وبالتالى أسقطوا أحد كبار الطغاة والسراق، وأجبروه على الهروب مع زوجته التى كانت وراء كل هذا الجشع المادى، والطمع فى وراثة السلطة، فعلينا أن نعترف بأن فضل الثورة التونسية كان عظيماً فى طمأنة الشباب المصرى بأنه «ممكن»، ممكن خلع طاغية مصر الذى هرب هو الآخر إلى شرم، ولم يخطر بباله أنه سيدخل القفص
ومع الثورة الثانية المقبلة، ربما يحاكم بقوانين ثورية قد تؤدى إلى إعدامه مع كل الذين عرّضوا أمن مصر للخطر، وكل الذين أفسدوا الحياة بالمحروسة، والذين جهلوا معظم أبناء هذا الشعب، وحطموا الشخصية المصرية، وجعلونا هكذا «أمة ضحكت من جهلها الأمم. الفارق بين «بن على»، و«مبارك»، أن «بن على» وعائلته وبعض مقربيه كانوا «لصوصاً» ومستبدين، لكنهم والحق يقال حافظوا على «التعليم» فى تونس كما كان منذ عهد الاحتلال، مروراً بعصر الحبيب بورقيبة، ولهذا تجد معظم التوانسة منفتحين على العالم، ويستطيعون التمييز بين الغث والثمين، وقادرين على إدارة شؤون أنفسهم، ولهذا السبب قفزوا إلى الطريق السليم بأقل خسائر، لتصبح ثورتهم هى «أرخص الثورات» فى التاريخ، وأسرعها فى إعادة بناء نظام جديد يحقق آمال وطموحات الشعب التونسى، وخلال بضع سنوات ستصبح تونس بالستة ملايين تونسى هى إحدى الدول المضيئة والملهمة لشمال أفريقيا، وهم يستحقون!
أما «مبارك» وحاشيته البزرميط، ووارثوه، فهؤلاء كانوا لصوصاً بامتياز، وببجاحة، وبلا ضمير، لأنهم منهجوا أساليب ونظماً للقضاء على الشخصية المصرية بغرض تسهيل «ركوب» هذا الشعب لأقصى مدة ممكنة ليحكمها جمال، وربما الحفيد.. ولم يقرأوا تاريخ هذا الشعب، ولم يتعلموا حرفاً عن حقيقة الشخصية المصرية التى تصبر صبر أيوب، لكنها إذا ثارت فلن يقدر عليها أحد مهما كان.
صحيح أن ما يحدث اليوم من أشياء مخزية ومحزنة ومن فوق لتحت جعل العالم يضرب أخماساً فى أسداس عن مستقبل هذا الوطن، الذى سيتحدد عليه مستقبل الإقليم والمنطقة، ولم يفهموا كيف أن أحفاد الفراعنة يفعلون كل هذا بأنفسهم وببلدهم، لكن المختصين والفاهمين هناك يدركون أن كل ما يحدث على أرض مصر الآن، وما سيحدث فى الفترة المقبلة هو نتاج حقبة حسنى مبارك ومن سبقوه منذ هزيمة ١٩٦٧، التى كسرت وهزمت وحطمت الإنسان المصرى الذى تم طحنه وعجنه وإعادة خبزه فى السنوات الثلاثين الأخيرة.
والسبب الثانى: «البلوة» التى حلت عليه عندما «كلف» الرئيس السابق المجلس العسكرى بإدارة شؤون البلاد، وهو يعلم جيداً أن هذا هو الحل الوحيد لإنقاذه من حبل المشنقة، وأمله الوحيد فى الوصول بالبلاد إلى حالة الفوضى التى ستمكن ولديه من الهروب، وليثبت لنفسه وللعالم أنه كان محقاً فى استبداده بهذا الشعب الذى قال عنه هو وعمر سليمان إنه شعب قاصر، ولا يستحق الحرية أو الكرامة!!
ولهذا تجد «الفلول» الآن يفركون أيديهم، ابتهاجاً بما يحدث الآن، ليثبتوا أمام أسرهم وأبنائهم أنهم كانوا على حق فى تأييد مبارك، ولم يدركوا أن «الثورة» الحقيقية آتية لا ريب فيها، وسوف تعاد محاكمة كل من شارك فى تعريض أمن وسلامة هذا الوطن لمثل هذا الخطر.
تحية للشعب التونسى، وألف مبروك لهذا «التوافق» المحترم، ومليون سلام لكل الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم، وتحية خاصة إلى صديقنا مسيو «منصف المرزوقى» الذى كان يعيش معنا فى باريس، وظل صامداً طوال ٢٣ سنة يقاوم ظلم بن على، وها هو اليوم رئيس مؤقت لشقيقتنا أم «أبى القاسم الشابى»، و«بوعزيزى».. وبقدر فرحتنا بالاحتفالات الموسيقية بكل المدن التونسية التى خرج فيها كل أبناء الشعب هناك يرقصون، ويغنون، ويتمايلون طرباً وفخراً بما حققوه، نعدهم بأن «أحفاد الفراعنة» سيلحقون بهم، وستعم الفرحة قلوب المصريين، وستعود الابتسامة إلى الوجوه قريباً جداً، لأنه لن يصح إلا الصحيح، وعلى الكل أن يفهم ويستوعب ذلك، بعيداً عن الغطرسة والتعالى وحقناً للدماء!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق