الأحد، 8 أبريل 2012

دروس الثورة الفرنسية

بقلم   د. محمود عمارة    ٩/ ٤/ ٢٠١٢
-------------------------------------------


لعل التكرار يعلم الشطار.. أعيد نشر هذا المقال، وها هو للمرة الرابعة:

هو مستشرق فرنسى مقيم بمصر منذ أربع سنوات، ومجنون بالتاريخ المصرى والحضارة الفرعونية ككل الفرنسيين.. على مدى السنوات الأربع كنا متفقين على أن هناك «ثورة» قادمة، وحددنا لها تاريخ ٢٠١١- ٢٠١٢.. لكن كنا مختلفين على من سيقوم بها.. كان رأيى أنها ستكون «ثورة جياع».. وكان رأيه أنها ستكون «ثورة غضب» ضد الظلم.. ضد الفساد.. ضد الثروة التى احتكرها ربع فى المائة من الثمانين مليوناً!!

«كانت فرنسا قبل قرنين حاملة لواء الزعامة فى أوروبا ومركزا للإبداع والتفوق والصدارة.. حتى ابتليت بالملك لويس الخامس عشر الذى كان غارقا فى ملذاته وفُحشه، وانعزاله عن شعبه بفضل «الحاشية» المبتذلة والفاسدة من النبلاء ورجال الكنيسة، التى كانت لا تعترف بأى سلطات للأمة أو حق مشاركتها فى اتخاذ القرار، فكثر اللصوص من كبار موظفى الدولة والمديرين، وكل من يعينهم الملك أو زوجته أو الدائرة المقربة من البلاط.. وازداد عدد «المنافقين» المستفيدين من النظام.. لكنهم جميعا كانوا «قلة» بالمقارنة بالملايين المحرومة!!


وفى ظل هذا الفوران الشعبى، سطع نجم بعض ممثلى الشعب.. وظهرت الصحافة الحرة لأول مرة، ونشأت الأندية والجمعيات الثقافية التى أصبحت قوة فرضت نفسها على الساحة، وصبت نار غضبها على زوجة الملك وحاشيتها الذين وصل بهم الأمر إلى رفت كل من يخالف أوامرهم.. وتحت ضغط المظاهرات والأفكار الثورية، سقط الملك وألغيت الملكية.. وتمت محاكمة الملك وزوجته بتهمة التآمر ضد الشعب.. وفى ٢١ يناير ١٧٩٣ تم إعدامهما «بقطع رأسيهما بالمقصلة» أمام الجماهير، ومعهما أكثر من ١٥٠٠ من المعاونين والداعمين.. لتصبح أكبر مذبحة علنية فى التاريخ!!

وفى غمار الفرحة بدأت «الأخطاء»:

١- عندما انقسم «الثوار» وتركوا الفرصة ليتجمع فلول وأذناب الملكية، وكل من أضيروا أو تخوفوا من الثورة.. للقيام بعدة ثورات مضادة بأشكال متعددة، وبطرق جهنمية.

٢- والخطأ الثانى عندما انشغل الثوار بالاتهامات والتخوين والعمالة، ومن كان مع الثورة ومن كان ضدها.. لتبدأ مرحلة الصراع الدموى، التى وصلت إلى حد «إعدام» بعض «الثوار» بالمقصلة نفسها وفى الميدان نفسه.. ميدان الباستيل، وبيد رفاقهم، كما أعدموا بعض العلماء الذين شكّوا فى ولائهم أو توانوا فى أداء مهامهم.

٣- وفى ظل انتشار الثورات المضادة التى نجحت فى تقسيم الثوار بالشائعات والدسائس.. عوقبت مدن فرنسية بأكملها مثل ليون وطولون بعقوبات جماعية، لمجرد إظهار تململها من الثوار بعد أن ساءت الأحوال الاقتصادية، وانتشر الفقر، وازداد الناس بؤسا، لتبدأ عمليات الخطف والاستيلاء على الممتلكات الخاصة وانتشار البلطجة والسرقات وتفشى الجوع والخوف.. مما سهّل صعود نابليون بونابرت إلى عرش الحكم كأول رئيس لأول جمهورية فرنسية فى ١٨٠٤، بعد عشرين سنة من الاضطرابات والمذابح والفوضى.


باختصار: كانت أخطاء الثورة الفرنسية كالتالى:

١- انشغال الثوار بتصفية الحسابات والجرى وراء الشائعات والاتهامات، ومحاولة البعض خطف الأضواء وجنى الثمار، والبحث عن زعامات.. مما جعل «الثورة تأكل أبناءها» بإعدام بعضهم البعض.

٢- نجاح الثورات المضادة فى تجييش الطبقات الفقيرة التى زادت معاناتها، مما دفعها للتململ والتمرد والاعتصامات والاحتجاجات، وجعلتهم يترحمون على أيام الملك.

٣- طول مدة الحركة الثورية، التى استمرت لعشرين سنة بعد الثورة، أدى إلى انهيار الاقتصاد القومى، فانتشرت الدعارة وعمليات النصب والاحتيال وازدادت الفرقة بين الناس».


وقبل نهاية الجلسة جاء السؤال: كيف ترى الثورة المصرية؟.. وما هى المخاطر من وجهة نظرك؟
وجاءت الإجابة على لسانه عندما قال: حتى الآن هى أعظم الثورات على مر التاريخ لسببين:

أولهما : أنها سلمية - بيضاء - نقية، وبلا تكلفة.. مع كل احترامنا وتقديرنا للشهداء والمصابين، وعليكم برعاية أسرهم ولا تنسوهم أبدا.

ثانيهما : أنها ثورة بلا قيادات، وكل واحد من الشباب ينكر ذاته.. وقلة نادرة هى التى تحاول جنى الثمار وستفشل.. ولهذا لا خوف من أن تأكل الثورة أبناءها حالياً.

أما المخاطر فهى هائلة ومخيفة للأسباب التالية:

أولاً: ضعف الاقتصاد المصرى.. وفقر وجهل وعشوائية الملايين الذين يمكن دفعهم إلى مظاهرات واحتجاجات، لا يمكن حساب نتائجها إذا طال زمن تلبية مطالبهم، خاصة أن أغلبيتهم من موظفى الدولة الذين كانوا يعيشون على «الإكراميات» أو ما نسميه نحن «الرشاوى».. ونظرا لتوقف المستثمرين عن التوسع فى مشروعاتهم أو بدء مشروعات جديدة، والقبض على اللصوص من كبار رجال الأعمال سيحرم هؤلاء من «الفارق» بين رواتبهم والتزاماتهم.. مع احتمالية ارتفاع أسعار الغذاء فى الأشهر المقبلة.

ثانياً: إذا تأخرت الحكومة فى طرح مشروعات قومية لبث الأمل، وجذب استثمارات أجنبية وعربية، وتقديم «مشروع تنموى» يماثل مشروع مارشال الذى أعاد بناء أوروبا، فسوف تجدون أنفسكم فى خطر كبير، ولن أقول «ثورة جياع» فى العام المقبل ٢٠١٢!!

ثالثاً: التسرع فى نقل السلطة من الجيش إلى الشعب خلال ستة أشهر سوف يعطى الفرصة لـ«جماعة الإخوان» بكل تياراتها وأطيافها للقفز على السلطة.. وتدخل مصر فى «دوامة» أو فى طريق مسدود.. وهذا للأسف احتمال كبير جدا!!

رابعاً: عليكم أن تعلموا أن «أعداء الثورة» أكثر عدداً وتنظيماً وتغلغلاً فى المؤسسات الرسمية، وسوف يحاولون إفشال هذه الثورة، لتقليب الشعب عليها!!


لكن فى النهاية أقول لكم: «إننى أثق فى عقل وحكمة وعبقرية المصريين، ومخزونهم الحضارى..
ومازلت أراهن على أحفاد الفراعنة»!!

الجمعة، 6 أبريل 2012

النموذج التركى

بقلم   د. محمود عمارة    ٢/ ٤/ ٢٠١٢
---------------------------------------

وسط هذا التهريج ومحاولة جرجرة مصر إلى عصور التخلف، فى الوقت الذى نجح فيه الإسلاميون المستنيرون فى «تونس» فى التوافق على الحل الوسطى بين العلمانية والدولة الدينية الفاشية.. رأينا نشر هذا المقال المنشور سابقا بتاريخ ٦ يوليو ٢٠٠٩!!



عندما تزور «تركيا».. لأول مرة ستفتح فمك مندهشاً، ومتسائلاً:

كيف استطاع هذا البلد «المسلم» بنسبة ٩٩٪ أن يصبح هكذا قطعة من أوروبا؟

وحين «تجوب» المناطق الجغرافية السبع (منطقة إيجى - البحر الأسود - وسط وشرق الأناضول - مرمرة - البحر المتوسط - وجنوب وغرب الأناضول).. وتعبر الـ٨١ محافظة، فسترفع القبعة لما تشاهده من:

«نظافة» مستفزة ١٠٠٪، جهد حكومى وشعبى ١٠/١٠، «نظام» يجبرك على احترامه.. «حرية» حقيقية تلمسها بلا شرح أو تزويق.. مستوى معيشة يليق بمستوى الإنسان (١٢ ألف دولار للفرد سنوياً).. «تنسيق» حضارى تتمناه لمصر.. و٣٠ مليون سائح يأتون سنوياً للفرجة، والشوبينج.. ولزيارة الأماكن التى شاهدوها فى المسلسلات التركية التى غزت العالم العربى فجأة «مسلسل نور - لحظة وداع - سنوات الضياع - إكليل الورد - وتمضى الأيام - وقصة شتاء..»!

«تركيا».. التى لا تصل مساحتها إلى ٣/٤ مساحة المحروسة.. وعدد سكانها يساوى تقريباً عددنا ٧٨ مليون نسمة، ينتجون أكثر من ضعف إنتاجنا (تريليون دولار سنوياً.. ونحن ٤٤٠ ملياراً).. ولهذا تجد ميزانيتهم السنوية ١٧٠ مليار دولار - ونحن ٤٠ ملياراً فقط لا غير!

ولنفهم «السر».. وراء هذا التقدم، وهذا التحضر الذى يرشحها عضواً فى الاتحاد الأوروبى رغم معارضة فرنسا وألمانيا.. علينا قراءة القصة من بدايتها:

«والبداية».. حدثت على يد الشاب الثائر: «مصطفى كمال».. الذى سموه «أتاتورك» أى «أبو الأتراك».

هذا الزعيم الوطنى الذى حكم البلاد من ١٩٢٣ حتى وفاته ١٩٣٨ أى لمدة ١٥ سنة فقط.. استطاع خلالها أن «يغير»، «ويبدل» حاضر ومستقبل وطنه ويجعل الأتراك مدينين له طوال تاريخهم!

مصطفى كمال «أتاتورك».. الذى تخرج فى الكلية العسكرية فى «إسطنبول» عام ١٩٠٥ لينشئ خلية سرية لمحاربة استبداد «السلطان».. بعد أن حصل على الشهرة بسبب بطولاته العسكرية كضابط أركان حرب.. ليصبح «الكولونيل» مصطفى كمال بطلاً قومياً بتحقيقه عدة انتصارات متتالية فى حرب «الدردنيل» وعمره ٣٥ سنة.. وبعد أن «حرر» عدة مقاطعات تمت ترقيته إلى «جنرال عام» وقائد للجيش ليبرز نجمه فى سماء تركيا، ويدخل حرب الاستقلال مؤسساً قاعدة الجهاد الوطنى ضد الحكم العثمانى، وينتخبه الناس رئيساً لمجلس الأمة.. ثم رئيساً للأركان.. ويعلن استقلال تركيا لينتخبه الشعب بالإجماع كأول رئيس للجمهورية بعد انهيار الحكم العثمانى.

وفى أول خطاب له قال:

«.. بعد أن (تغلغل الشيوخ) فى تفاصيل حياتنا اليومية.. وبعد أن انتشرت الخرافات، و(عمت) الخزعبلات.. (وتغيب) العقل التركى عن الاجتهاد والإبداع.. وبعد أن غرقنا فى بحر (الفتاوى).. وتاه الناس فى دروب الجهل والتخلف، ومن أجل بناء نهضة حقيقية.. وتأسيس دولة عصرية فقد قررنا:

أن تصبح تركيا دولة (علمانية).. تفصل بين الدين والدولة.. وهذا يستلزم:

(١) تحويل المدارس الدينية إلى مدارس مدنية.

(٢) إلغاء وزارة الأوقاف.. وغلق المحاكم الشرعية.

(٣) استخدام الأبجدية اللاتينية بدلاً من الأبجدية التركية فى الكتابة.

(٤) إنشاء دستور مدنى.. مع إدخال قانون العقوبات، والقانون التجارى والمدنى.

(٥) إلغاء الخلافة الإسلامية.. ومنع ارتداء الجلباب والطربوش، والخمار.. وأن تكون «العمامة» لرجال الدين فقط.

(٦) استبدال التقويم الهجرى بالتقويم الغربى.

(٧) «تمكين» المرأة فى المجتمع.. بأن يكون لها وضع قانونى مساوٍ للرجل فى حق العمل والترشح والتصويت والمشاركة.

ولثقة الشعب المفرطة فى الزعيم «مصطفى كمال»، فقد تجاوب بشكل ملحوظ.. ولم يجد المعارضون بداً من الانصياع للنظام الجديد بعد أن تم التنكيل ببعض المناوئين والمستفيدين من خلط الدين بالسياسة.. والمتاجرين بعقول البسطاء، والمتربحين من حالة الجهل والفقر والتخلف التى كانت سائدة فى ذلك الوقت!

وخلال ١٥ سنة.. انتقلت تركيا من حياة القرون الوسطى إلى «الحداثة» والتحضر.. وبعد مرور أكثر من ٨٠ سنة على تجربة النظام العلمانى الذى احترم الدين الإسلامى بإبعاده عن المهاترات السياسية.. فمازال الأتراك يتمسكون بدينهم، ويؤمنون بأن «العلمانية» هى الطريق السليم والصحيح رغم محاولات بعض الأحزاب أحياناً العودة بالمجتمع إلى الوراء!!

«تركيا».. ليست الدولة الإسلامية الوحيدة التى اتخذت من «العلمانية» أساساً للنهضة والتحديث.. فهناك «ماليزيا» أيضاً التى انطلقت على يد «مهاتير محمد» الذى أعلن فى أول يوم من توليه السلطة أنه «مسلم علمانى» فجعل من بلاده «نمراً» أسيوياً، ونموذجاً يحتذى به!!

والسؤال الآن:

هل «العلمانية» بمعنى فصل الدين عن السياسة هى الحل والمخرج مما نحن فيه الآن من وضع مطابق لما كانت عليه «ماليزيا» قبل مهاتير محمد.. و«تركيا» قبل «أتاتورك»؟

ومن أين نأتى بمثل هذا «الأب الروحى» الذى يمكن أن يثق فيه المصريون؟

مصر.. «المريضة»

 د. محمود عمارة    ٢٦/ ٣/ ٢٠١٢
-----------------------------------------

عزيزى القارئ: اقرأ، وفكر، وتأمل ما هو مرصود بهذا المقال السابق نشره بتاريخ ١٠/٤/٢٠٠٦ فى عهد النظام الساقط..


جسد «كالمارد» فى حالة غيبوبة، فقدان وعى، إفلاس، وواجبنا المشاركة الجادة فى إصلاحه، والتعاون لضخ دماء نظيفة بشرايينه ليسترد وعيه وعافيته.

مناخ عام من التشاؤم والإحباط والاكتئاب، خوف على الحاضر، قلق من المستقبل الغامض لكثرة وغرابة ما نسمعه ونعايشه ونراه من: فساد- بلطجة- فوضى- إهمال- مؤامرات- عصابات- محارق- مغارق- غوغائية- ديكتاتورية- بطش- إذلال- طغيان- امتهان- انتهازية- دعارة فكرية وسياسية- نفاق- تملق- تدليس- توريث- تمييع- تزوير- دسائس- مقالب- قذارة- عفونة- تطرف- تخلف- شائعات- خرافات... عادت بنا إلى مثلث الفقر والجهل والمرض، لنتراجع إلى ذيل قائمة الدول الأكثر فقراً وتخلفاً وتراجعاً، لتتفوق علينا دويلات، وتهزمنا حضاريا إمارات، وتسبقنا بمسافات «أمم» كنا نتندر عليها بالنكات والقفشات!

مصر الآن «تغرق» فى مستنقع «يأس جماعى» بعد أن ترهل النظام السياسى وشاخ، وأصيب بحالة من الرعب والتردد والتصلب والارتعاش، وعدم الحسم، والتوقف والتراجع عن الإصلاحات الجادة والحقيقية والشاملة، «تخوفاًً من «الانتفاضات الشعبية» وهم لا يدركون أن غياب «الإصلاحات» هو بالتحديد ما يؤدى حتماً إلى «الثورات»!!

اليوم ١٠ إبريل المتمم للمائة يوم من عمر الوزارة الحالية لينتهى ما يسميه البعض «شهر العسل» الذى تمثل فيه الحكومة دور «العريس»، والشعب هو «العروسة» التى اكتشفت «عجز» الحكومة فخيرتها بين «الخُلع» أو تقديم كل وزارة خطتها بالتفصيل مع توضيح مواردها وبنود إنفاقها، ومصادر تمويلها، والأهداف الطموحة لها، وتواريخ البدء والانتهاء من كل مرحلة، حتى يتمكن البرلمان من مراقبتها، والإعلام من «متابعتها» والشعب من محاسبتها بعيداً عن بيان الحكومة «المايع» والمرفوض، وبعيداً عن «هلامية» الوعود الانتخابية التى مللنا سماعها.

فطابور البطالة الممتد من بورسعيد حتى حلايب وشلاتين زاد فى الشهرين الأخيرين مليون عاطل نتيجة للهلع والعشوائية اللذين تعاملت بهما أجهزة الدولة مع أنفلونزا الطيور، وهناك ٢ مليون فى الطريق بين منتجين ومربين ومهندسين ومشرفين وعمال وتجار وسريحة وفرارجية، وعلى الجانب الآخر هناك هيئة «تخريب» المجتمعات العمرانية المتكفلة بتطفيش نصف المستثمرين الجادين فى المدن الجديدة، والدليل أن عدد المصانع التى تغلق أبوابها أكثر من عدد المنتظر افتتاحه، ومن لا يصدق فليذهب إلى برج العرب والسادات ووادى النطرون وأكتوبر.. وفى قطاع استصلاح الأراضى الصحراوية، الكل يعلم أسباب التوقف وعدم التوسع ولا أحد يعنيه أو يهمه، أما عن الإصلاحات السياسية فحدث ولا حرج بعدما جرى من تفصيل للمادة ٧٦ لدى ترزية الجلابيب والقفاطين موديل سنة ٦٠!!!

الكارثة أن أعضاء الحكومة الحاليين يعترفون فى الكواليس بأكثر من ذلك، ولكن جميعهم «يعزوه» إلى تراكمات الحكومات السابقة. ورئيس الجمهورية القادم سوف يحيله ويعزوه أيضاً إلى الرئيس «الراحل» و«الراحل» لن يكون أمامنا أن نستجوبه أو نسأله أو حتى نستفسر منه ليوضح لنا الأكاذيب والحقائق وهكذا.. دواليك إلى يوم الدين.

والسؤال:

لماذا لا ينكشف علينا دولة رئيس الوزراء المختفى بالقرية الذكية يشرح لنا أولاً بأول؟ ولماذا لا يواجهنا فخامة رئيس الجمهورية بخطاب شهرى للأمة أو حتى بلقاء صحفى على الهواء يجيب عن أسئلة الشارع، واستفسارات الشباب، يلقى الضوء على ما يجرى، يدلى بدلوه فى الأحداث الداخلية، يوضح لنا، يزيل علامات الاستفهام، يطمئن الناس على المستقبل القريب؟

صدقونى الـ٧٥ مليوناً إلا قليلاً واقعون فى «حيص بيص» والكل يتلقف أى مساعدة، ينتظر من يعيره اهتماماً، من يشاركه أحزانه ويخفف من آلامه ولو «بكلمتين حلوين» ، يطبطب عليه، الناس بتصرخ، بتتأوه، بتعوى، ونحن «ننبح» وغيرنا ينفخ فى قربة مقطوعة.

اخرج يا ريس وتحدث بعفويتك للمصريين، قل إن «جمال» لن يرشح نفسه، ولن يقبل ترشيح الحزب له إلا بعد تعديل المادة ٧٦ وتغيير المادة ٧٧، وهما معا سيحدثان خلال ٦ أشهر على أكثر تقدير، ووقتها من حق «جمال» كمواطن مصرى أن يترشح وينافس، ولكن من فضلك لا تفعل أو تتركهم يفعلون كما فعلتم فى الانتخابات الماضية، وتضعون الشعب أمام الأمر الواقع، وفى وقت قصير لا يسمح للطامحين والقادرين والمؤهلين والراغبين من الأفراد أو الأحزاب بالتقدم، حتى نغلق هذا «الشباك» لنريح ونستريح، ولنتخلص من هذا «الخُرّاج» والورم السرطانى المؤلم لقلب مصر، والموجع «لنافوخ» كل مصرى.

نكرر.. إن مصر المريضة تحتاج فوراً إلى «كونسلتو» من أعظم الخبراء لكتابة روشتة العلاج، ونحن قابلون للدواء المر والعلقم، استعداداً لتدخل الجراحين «بالمشارط» والمقصات لفتح وتنظيف وتطهير الأورام، واستئصال الفساد، واستخدام الليزر لتجفيف الدماء وتضميد الجراح وإزالة البقع السوداء، ليتسلمها فريق محترف فى إدارة الدولة الحديثة، وتعظيم إمكانياتها، واستغلال موقعها وتاريخها ومواردها، فريق يعمل للتاريخ وليس للتوريث.

«بوسطجى» رئيساً للجمهورية

بقلم   د. محمود عمارة    ١٩/ ٣/ ٢٠١٢
---------------------------------------

هذا المقال نشرته هنا فى ١٦ أبريل ٢٠٠٧، ورأيت أن إعادة نشره اليوم قد تكون مفيدة.

من له حق الترشح لرئاسة الجمهورية الفرنسية؟

١- من يحمل الجنسية الفرنسية.
٢- وعمره لا يقل عن ٢٣ سنة.
٣- أدى الخدمة العسكرية.
٤- لم تصدر ضده أى أحكام تحرمه من حقوقه السياسية.
٥- وأن يحصل على «٥٠٠» خمسمائة «توقيع» من أى عضو منتخب، سواء كان عمدة- وهناك «٣٦٠٠٠» ستة وثلاثون ألف عمدة فى فرنسا- أو عضو مجلس محلى، أو نائبًا فى البرلمان الفرنسى، أو برلمان المستعمرات، أو البرلمان الأوروبى.

كيف يحصل على «٥٠٠» خمسمائة «توقيع»؟ ولماذا ٥٠٠ توقيع؟

الجنرال ديجول هو الذى وضع هذا النظام وكان المطلوب هو «١٠٠» مائة «توقيع» فقط حتى عام ٧٦ عندما ارتأى النظام أنه يجب أن تزداد إلى «٥٠٠» خمسمائة توقيع لضمان «الجدية»، وللحد من عدد المرشحين. واشترط القانون أن يحصل المرشح على الخمسمائة «توقيع» من ٣٠ محافظة، وعدد المحافظات هو ٩٥ محافظة داخل فرنسا + ٤ مستعمرات وراء البحار، وألا يزيد عدد التوقيعات على ٥٠ توقيعًا من محافظة واحدة.. ولا يشترط القانون أى شروط أخرى.

ما عدد المرشحين لانتخابات ٢٢ أبريل الحالى؟

١٢ مرشحًا، منهم ٤ سيدات، إحداهن «سيجولين رويال» المتوقع لها الوصول إلى الدور الثانى لتنافس «ساركوزى» أو «بايرو»، كما يوجد «بوسطجى» يركب دراجة ويوزع البوستة، كما يوجد «صياد» فى الثلاثينيات من عمره يترشح لأول مرة، أما «البوسطجى» فقد سبق له الترشح ضد چاك شيراك فى ٢٠٠٢، وحصل على ٥.٤ مليون صوت من ٣٩ مليونًا يحملون بطاقة انتخابية.

ماذا تعنى بمن يحملون بطاقة انتخابية؟


هناك، لا يقيد المواطنون «أتوماتيكيا» فى جداول الانتخاب، وإنما يشترط القانون أن يطلب المواطن الحصول على بطاقة انتخابية، وبالتالى كل من يحصل على البطاقة الانتخابية، يقيد اسمه بالجداول الانتخابية، منعًا للأخطاء، وحثًا للمواطن على طلب حقه.. ولهذا لا تجد جداول بها أسماء «متوفين» أو مهاجرين أو مكررة.

كم تدفع الدولة للمرشح كمصروفات دعاية انتخابية؟

بمجرد حصول المرشح على الـ٥٠٠ «توقيع» يحصل فى الحال على شيك بـ ١٥٣ ألف يورو، ما يعادل مليون جنيه مصرى، وإذا حصل المرشح على ٥% من أصوات الناخبين يحصل على شيك ثان بمبلغ ٧٤٠ ألف يورو، يعادل ٥.٥ مليون جنيه، وكل مرشح يحصل على أكثر من ٥% ولو بصوت واحد يحصل على مبلغ ٥.٧ مليون يورو أى ٤٢ مليون جنيه، ومن يصل للتصفية اثنان، فكل منهما يحصل على شيك بمبلغ ١٠ ملايين يورو، أى ٧٥ مليون جنيه، طبعًا بخلاف المليون الأول.

من يراقب حسابات كل مرشح، وأملاكه قبل الوصول لكرسى الرئاسة؟

على كل مرشح من الـ ١٢ أن يعين له «محاسباً» معتمدًا من المحافظة التابع لها يسجل لديه كل «سنت» يتبرع به مواطن أو شركة أو جمعية للمرشح، كما يسجل كل «يورو» من المصروفات الدعائية، وأيضًا أى مساعدات من الحزب إذا كان من مرشحى الأحزاب وليس مستقلاً، والمهم أن كل مرشح عليه أن يسجل قبل الانتخابات كل ممتلكاته وتعلن على الملأ.. لديه سيارة بيچو: الماركة- سنة الصنع- اللون- القيمة، لديه شقة أو منزل: مواصفاته وقيمته وعنوانه، لديه أسهم فى أى شركة وقيمتها قبل الانتخابات بـ ٣٧ يومًا- وحتى «البوسطجى» رغم أنه يركب دراجة حكومية، ولكنه أعلن عن ملكيته ٣ دراجات هو، وزوجته، وابنه- وشقته بالقسط، وحسابه بالبنك به ١٩ ألف يورو، وهى كل ممتلكاته فى الدنيا، وعند خروجه من الحكم يعاد الحساب لتعلن براءته أو إدانته.

ما عدد الحاصلين على بطاقات انتخابية؟

٤٤ مليون ناخب، بزيادة ٥،٤ مليون عن آخر انتخابات فى ٢٠٠٢- ومعظمهم من الشباب + المهاجرين + ٥.١ مليون فرنسى خارج الحدود، وآخر انتخابات «تغيب» ٢٨ فى المائة.

ما الفارق بين انتخابات ٢٠٠٢، و٢٠٠٧؟

- لأول مرة «يحتار» أو يتحير الفرنسيون فى الحسم، وباقى من الزمن أسبوع واحد- لأن المرشحين الثلاثة وهم: ساركوزى، سيجولين رويال، فرانسوا بايرو، من نفس الجيل - أوائل الخمسينيات - ومستوى ثقافى متقارب، ووسط اجتماعى واحد، «بايرو» أبوه وأمه كانا «عاملين» فى مصنع وماتا فى حادث عمل، واعتمد على نفسه ليعيش، إلى أن دخل جامعة بوردو، ودرس بكلية الآداب قسم اللغات، ثم عمل مدرسًا إعداديا، ثم نائباً بالبرلمان، فوزيرًا، ثم مرشحًا للرئاسة، وشرحه سيجولين، و«ساركوزى» أبوه عامل «مجرى» مهاجر تزوج من فرنسية وبذكائه ومجهوده الشخصى وإرادته وعزيمته أبرز تفوقًا بالحزب ليتبناه «شيراك» وينشق عليه لدرجة «الخيانة» كما قال شيراك وقتها، وأصبح وزيرًا للمالية ثم الداخلية، وهو يمينى أقرب للتطرف ولكن سياساته تعجب الكثيرين.

هل سيحاكم شيراك بعد خروجه من كرسى الرئاسة؟

لا أعتقد، خاصة أنه، كما يقال فى الصحافة الفرنسية، عقد صفقة مع «ساركوزى» بأن يعلن تأييده له مقابل عدم المساس به، إذا وصل ساركوزى للحكم؟

وما التهمة الموجهة لشيراك؟


تهمتان،
  • أولاهما : أثناء «عموديته» لباريس كان يساعد الحزب بطرق غير قانونية،
  • وثانيتهما :  أنه حصل على ٣ تذاكر طيران مدفوعة من ميزانية «العمودية»، وكان فى رحلة خاصة للاستجمام هو وزوجته وابنته!

استقالة مواطن «أُهين» (٢ ــ ٢)

بقلم   د. محمود عمارة    ١٢/ ٣/ ٢٠١٢
--------------------------------------------


من حق أى مواطن أن «يغضب» عندما يُهان، و«يكتئب» غصباً عنه إذا رأى الحلم يتوارى.. وأن «يخاف» على سمعة ومستقبل وطنه.. وله أن «يفضفض» للتنفيس، وعليه أن «يعتكف» للتأمل والمراجعة ليعيد ترتيب أفكاره فيستعيد طاقته الإيجابية.

وبما أننى مواطن فخور بوطنى، أعرف ثرواته وأقدر عظمته وقيمته فى نظر العالم. فيحزننى أن أصل إلى مرحلة «الاستعرار» من نفسى ومن جميعنا، وأخص من يتحكمون فينا من «مخلفات» النظام الساقط وأذنابه وذيوله، الذين أثبتوا أنهم غير مسؤولين، بل غير أمناء على سلامة ونهضة وكرامة هذا الوطن.. التى حانت له فرصة تاريخية ليقوم بدوره الحضارى الذى ينتظره العالم من أحفاد الفراعنة!!

والحقيقة أنه عندما قامت الثورة فى ٢٥ يناير، ورفرفت وحلقّت متخيلاً الحلم الكبير تزينه «صورة مصر الحديثة».. المضيئة.. العادلة.. المهابة، وتصورت مخطئاً أنه لا يوجد مسؤول واحد سيقف ضد هذا الحلم أو يتآمر عليه، وقلت فى نفسى إنه لابد أن نبدأ بغرس الأمل فى الناس، وننبه للعمل.
  • فكانت أول مقالة لى بعد الثورة بعنوان: «دقت ساعة العمل»..
  • تلتها سلسلة طويلة بعنوان «زراعة الأمل»،
  • وأسسنا بنكاً للأفكار بمجلس الوزراء امتلأ بالدراسات والرؤى والمبادرات من خبراء مصريين رائعين فى كل المجالات:
  • مشروع مصر قناة السويس بعائد ١٠٤ مليارات دولار سنوياً..
  • مشروعات لتحلية مياه البحر بتكلفة ٨ سنتات للمتر المكعب..
  • مشروعات فى الطاقة الشمسية.. فى الرياح.. فى استخراج الطاقة من باطن الأرض.. فى ترشيد الرى بالغمر، والاستخدام الأمثل للمياه الجوفية لزيادة الرقعة الزراعية من ٨.٥ مليون فدان إلى ٢٥ مليون فدان.. فى إزالة الألغام وزراعة مليون فدان حبوب وبقوليات بالساحل الشمالى..
  • ودراسات للاكتفاء الذاتى من الغذاء الصحى فى أربع سنوات..
  • ومشروعات لتحويل العوينات إلى أهم وأكبر وأحدث منطقة صناعية للحوم ودباغة وصناعة الجلود، لوجود مليار رأس ماشية بحوض النيل..
  • مشروعات لاستبدال العشوائيات بمدن اقتصادية سبق أن صممها ونفذها مصرى بإنجلترا للإنجليز..
  • مشروعات فى جمع وتدوير الزبالة..
  • فى الثروة السمكية، فى عودة إنتاج وتصدير الحرير والكتان،
  • فى تحويل الصعيد والواحات لمناطق إنتاج وتصنيع الزيوت العطرية، والنباتات الطبية، والتمور وزيت الزيتون
  • ومشروع «نهر الأهرام» الذى ينقل السياح من التحرير إلى الأهرامات بالمراكب والجناديل..
  • واختراعات وابتكارات وإبداعات لصغار الشباب تُغير وجه الحياة لمستقبلهم..
  • ومبادرات من زملائنا «المغتربين» لنقل إبداعاتهم وخبراتهم ومدخراتهم.. وآلاف الدراسات الموجودة بمراكز البحوث المصرية تكفى لنهضة قارة أفريقيا وليس مصر وحدها!!
ولكن مين يقرا ومين يسمع، والكل أطرش وأخرس، وعمنا د. عصام شرف فى آخر مكالمة له معى قبل شيله بأسبوع يعترف ويعتذر لى عن تقصيره فى هذا الشأن، الذى عملنا فيه بأمانة وإخلاص وحماس كمجموعة متطوعين.
  • وشارك معنا وأيدنا وساعدنا فى البداية الإعلامى عمرو أديب لاستضافتنا عدة مرات،
  • ثم ساهمت بشكل كبير وأوسع الإعلامية الشهيرة د. هالة سرحان فى «ناس بوك» بقناة «روتانا»، بسلسلة من الحلقات الأسبوعية نزرع فيها الأمل للمشاهدين، ونبرز لهم كنوز وثروات وإمكانيات وميزات ومميزات مصر الجغرافية والبشرية والمعدنية والطبيعية.. وكررها وأبرزها صديقنا المرموق أحمد المسلمانى بـ«الطبعة الأولى» بـ«دريم»،
  • بعد الأستاذة منى الشاذلى أول من قدمت بنك الأفكار للمشاهدين، وحتى بالتليفزيون المصرى

«ولا حياة لمن تنادى»، ثم راح «شرف» المسكين وجاء «الجنزورى» اللئيم، كأننا نؤذن فى مالطة، أو كأنهم يرسخون نظرية سيدهم مبارك «خليهم يتسلوا»، والمجلس العسكرى فى سابع نومة بياكل فتة مع الملايكة!!

فى النهاية أصابنا القرف والزهق، وبدأنا نفقد حماسنا، خاصة بعد الأداء المغيب للبرلمان، وخطايا «العسكرى» المتكررة وانشغال النخبة بمصالحها وسفسطة وجدل المحللين البغبغاويين ببرامج التوك شو الذين توهونا وأوقعونا فى «حيص بيص»!!

باختصار: مصر فى خطر، والمستقبل أصبح على كف عفريت، والفترة الحالية ربما تشهد صراعاً حاداً على الكرسى الكبير، فتحدث اغتيالات تؤدى إلى فوضى عارمة،

ولهذا أدعو كل المحبين لهذا البلد، لمراجعة أخطائنا.. مراجعة مواقفنا.. مراجعة ماذا حدث خلال ١٤ شهراً مضت، ولماذا حدث؟
وكيف نحمى بلدنا من خطر التقسيم أو الانقلابات العسكرية، 
وكيف نعود إلى «الحماس» ونستعيد «الأمل» وألا نتحدث إلا عن المستقبل بمشروع نهضة مصر، لنحقق العيش والكرامة والعدالة الاجتماعية، أو هذا ما أتمناه.

وأخيراً أشكر كل من تواصل معى بعد المقال الفائت يسأل أو يندهش من حالة القرف والغضب والخوف التى أوصلتنى إلى الاعتكاف بالصحراء أتسلى فى أعمالى وأرعى غنمى بدلاً من أن يرعاها الذئاب، ولنعتبرها استراحة محارب يستعيد فيها الحماس، ويعيد شحن البطاريات بالطاقة الإيجابية من جديد.

استقالة مواطن «أُهين» (١-٢)

بقلم   د. محمود عمارة    ٥/ ٣/ ٢٠١٢
----------------------------------------

عند تشكيل الحكومة الحالية كتبت أننى لو كنت مكان «الجنزورى» لما قبلت أن أكون رئيساً للحكومة، وكنت قبلت فقط أن أكون «رئيساً شرفياً لها»، أجلس فى غرفة داخلية كـ«مستشار» أقدم ما عندى من تجربة وأفكار ومعلومات، وقلت إن قبوله كان بغرض أن يثبت لأحفاده أن مشروعاته «توشكى - شرق التفريعة - خليج السويس ...» كانت صحيحة وسليمة، والعيب فى حسنى مبارك وعاطف عبيد ومن تبعهما.. ثم طلب شهرين لنرى إنجازاته، باعتباره مفوضاً فى كل الصلاحيات من «العسكرى».. وها هى النتيجة:

  1.  أنه لا يزيد عن أنه «خيال مآتة» لـ«العسكرى»، والدليل ما جرى من فضيحة وجرسة فى موضوع التمويل الأجنبى، بعدما قال بصوت متحشرج: إن مصر لن تركع.. لن تركع.. وصفق له النواب.. وها هى مصر قد ركعت وسجدت، وانبطحت، واتشقلبت، والكل اتفرج علينا، ولم يفتح فمه!!
  2.  ما جرى من تضليل وكذب فى البيانات والقرارات بكل الوزارات والمصالح.. وآخر الأمثلة: أن حكومته أعلنت عن توزيع ١٥٠ ألف فدان للشباب «بالمزاد العلنى» وإعلانات بالصحف و... و... واشترى الشباب «كراسة المزاد» بألفين وخمسمائة جنيه من وزارة الزراعة.. وبعد أن جمعوا عدة ملايين تؤمن لهم رواتب ومكافآت الموظفين لمدة ٣ شهور، تم تأجيل المزاد حتى شهر يونيو.. والحكومة المقبلة «تلبسها»!!

لأنه فى الحقيقة لا توجد أراضى فاضية.. فكل ما أعلنوا عنه هى أراضى منزرعة وضع يد.. يعنى نصب X نصب على الشباب، وبالمناسبة لم يردوا الألفين وخمسمائة جنيه لكل شاب!!

والسبب أن يكره الناس الإخوان والسلفيين بعد أن خرجوا من طوع «العسكرى»، لتُنتزع الثقة منهم، ويخرجوا عليهم فى مظاهرات واحتجاجات، وتبوظ الدنيا.. «والعسكرى» يهيص، ويزق «الرئيس التواطئى» ليعلن الأحكام العرفية، وبهذا تنتهى قصة المحاسبة والمحاكمة، والخروج الآمن.. ويصبح هو الذى يحاكم الثوار، والنقاد، والمعاكسين له.. ليظل «ديول» حسنى مبارك يحكمون مصر من وراء الستار.. وكل ثورة وأنتم طيبون!!

وما سمعته من مطبخ الإخوان ومن كثيرين غيرهم أن «الجنزورى» سيتمسك به «العسكرى» خصيصاً لتزوير انتخابات الرئاسة، خاصة أن «قرارات اللجنة الانتخابية محصنة» ولا يجوز الطعن عليها، وها هو الشاويش «عبدالمعز» ليس إلا «كومبارس» كغيره من بعض الموالسين المتواطئين!!

إذن كلام الإخوان وغيرهم صحيح: إن الجنزورى، وفايزة، وعبدالمعز، ليسوا أكثر من أصابع وماريونت. لـ«العسكرى».. وصاحب سيناريو «كرسى X الكلوب»، لأنه من البداية يريد «الكرسى الكبير» خوفاً من المحاسبة على «التكية» والامتيازات، وما جرى من صفقات تحت الترابيزة، وما خفى كان أعظم!!

ولهذا أصبح لزاماً على الإخوان، كأغلبية، تشكيل حكومة فوراً، رغم مخالفة ذلك للإعلان الدستورى المعيب والتفصيل على المقاس.. حكومة حقيقية.. حكومة إنقاذ من كوارث الانفلات الأمنى المتعمد.. ومن التخريب المقصود.. ومن التخبط والتردى والإهانة والعار التى لحقت بكل المصريين.

حكومة قادرة على منع «العسكرى» من أى محاولة لتزوير إرادة الشعب فى اختيار رئيسه.. حكومة تطبق القانون بحد السيف على أكبر رأس.. حكومة لها سياسة خارجية تليق باسم وتاريخ وحضارة هذا البلد.

باختصار: يجب سحب الثقة الآن من هذه الحكومة التى مرمغت رؤوسنا فى الوحل، وجعلت المصريين بالخارج يختبئون من ملاحقة العرب والأجانب بالأسئلة المهينة لما جرى.. وكما عبر لى صديقى إبراهيم الجارحى، وهو أستاذ بجامعة تورنتو الكندية، وقال نصاً: «تتصور إمبارح الصبح دخلت الحمام أحلق دقنى.. وقفت قدام المراية (وتفيت فى وشى) من فضيحتنا كمصريين قدام الأساتذة الأجانب اللى كانوا بعد الثورة بيضربوا لنا تعظيم سلام»، وحملنى رسالة لـ«العسكرى وللحكومة» بتقول: «الله يفضحكوا زى ما فضحتونا وجرستونا وهزأتونا، والويل لكم، وساعة الحساب قادمة لا محالة ولن يفلت أحد من العقاب»!!

وبصفة شخصية أقول: «إننى فكرت فى (الاستقالة من مواطنتى) بعد هذا (الاغتصاب) للكرامة المصرية، فلا أقبل - كمصرى - أن يحكمنى أمثال هؤلاء المتآمرين، وسأنتظر أسبوعاً لأرى موقف (نواب الشعب)، (والقضاة المستقلين) المحترمين.. وكيف سيحاسبون (المشير)، و(الجنزورى)، و(فايزة)، وقبلهم (ترزى الدستور) المسؤول عن زرع الألغام فى طريق الوطن، وهو ممدوح شاهين.. وإذا لم يحدث شىء، فسأتقدم باستقالتى من المواطنة مؤقتاً.. وسأعمل مع كل الشرفاء المخلصين من أجل (ثورة قادمة) تكنس بقايا وشركاء المخلوع، الذين يتعاملون معنا كأننا خراف ونعاج، وهم الأكباش.. ويجهلون (ثورة الغضب)، ولا يتخيلون ماذا يمكن أن يحدث لهم فى ميدان التحرير إذا لم يعتذروا لنا على الملأ، ويعترفوا بتفاصيل (الصفقة) التى قصمت ظهر البعير».

ونستكمل ...

انتبهوا لـ«الفخ» القادم

بقلم   د. محمود عمارة    ٢٧/ ٢/ ٢٠١٢
-------------------------------------------


تصوروا، وتفكروا، لما يمكن أن يحدث بعد عودة الجيش إلى ثكناته، ومازالت «الداخلية» منهكة.. متعبة.. مكسورة.. فاقدة للثقة بنفسها.. أو حتى «مُضِربة».. رغم أن المسؤول عنها هو اللواء حمدى بدين، عضو المجلس العسكرى، الذى يجب مساءلته: لماذا لم يقم بالتطهير، وإعادة التنظيم، وتقديم الدعم لها حتى تقف على حيلها ؟؟.. وهل صحيح ما يردده البعض بأن هذا «السيناريو» مقصود ومتعمد؟؟

والسؤال الأهم: ماذا نحن فاعلون بدون الجيش، ولا الشرطة.. أى بدون أمن؟

تخيلوا بلداً.. بدون هيئة تحمى المصريين من قطَّاع الطرق، والبلطجية، والحرامية، والعصابات المسلحة، ومن بعض الأعراب الذين يملكون مخازن للأسلحة الثقيلة والخفيفة وحتى المضادة للطائرات، للاعتداء على الممتلكات الخاصة، أو خطف السياح والأطفال للمساومة و.. و..، فماذا أعددنا من «خطط» لإنهاء حالة الانفلات المتصاعدة، والتى ستزداد يوما بعد يوم. والتى ستشجع الشباب الفاقد للأمل بعد ١٣ شهراً من «ثورة» وعدته بالعيش، وبالكرامة، وبالعدالة الاجتماعية.. ولم ير شيئاً قد حدث أو حتى بصيص أمل فى أن يتحقق.. وهل سننتظر إلى أن يصبح القتل، والاغتيال، شيئاً عاديا نكتبه على شريط الأخبار مثلما يحدث الآن فى حوادث الطرق.. اتقتل خمسين.. اتقتل ٧٠.. اتقتل ٩٠؟؟

أكرر: ماذا نحن فاعلون ؟ بعد أن وقعنا فى نفس أخطاء الثورة الفرنسية التى سبق أن حذرت منها.. «عندما انزلقت من الانفلات إلى الفوضى، ثم الحرب الأهلية التى استمرت لأكثر من ١٥ سنة كانت من أسوأ الفترات فى تاريخ فرنسا، بعد أن سيطر قطاع الطريق والبلطجية وحكموا البلاد بقوة السلاح ليسود قانون الغابة.. الذى يجعل الموت أفضل من الحياة لمن لا يستطيع أن يهرب خارج الحدود.. حتى قام الضابط «لويس نابليون بونابرت» بانقلاب عسكرى.. ولكنه كان محترما ووطنياً ولديه رؤية لنهضة فرنسا.. فوضع «دستوراً» ومنظومة تشريعات وقوانين هى التى أسست للجمهورية الأولى ومازالت هى أساس التقدم والتطور والفخر للفرنسيين!!



والحل هو:


  1.  التطهير الفورى لجهاز الشرطة من ذيول النظام السابق، والكافرين بالثورة من قياداته (بعملية فرز وتجنيب، وبإحلال وتجديد)، مع الصرامة والحزم والجبر على الانضباط واحترام الأعراف بعيداً عن التسيب، والأهواء، والتمييز، قبل أن نجد ضابط شرطة بدقن وآخر بديل حصان!!
  2.  تجهيز الشرطة بكل ما تحتاجه من عتاد وسلاح ومركبات للتسهيل على الضباط والأفراد الراغبين فى أداء وظيفتهم، ولكنهم غير ممكنين.. (٤ آلاف بوكس تم حرقها.. ومخازن الأسلحة تمت سرقتها من أقسام الشرطة و... و...).
  3. وضع قانون واضح وصريح يحمى ضابط أو فرد الشرطة إذا تعرض للإهانة أو الاعتداء عليه.. كما يحمى المواطن من التعسف أو عدم اللياقة أو الإهانة.
  4. فى العالم كله ساعات العمل لرجل الشرطة محددة «بست ساعات».. حتى يظل يقظا «وفى الفورمة».. فما بالك بأن كثيرين من الضباط والأفراد يعملون ورديتين ١٢، ١٤ ساعة بنفس الأجر المحدود (٩٠٠ جنيه للنقيب بعد ٨ سنوات من تخرجه). رغم أن هناك «مجموعة» ممن يتسلمون مظروفا شهرياً بعشرات الآلاف.. وهناك من يعمل فى شرطة الكهرباء ويحصل على أربعة أضعاف زميله الواقف ١٢ ساعة بالشارع لتنظيم المرور، يتعرض فيها للإهانات والتلوث!
  5.  لسد النقص العددى.. سبق أن قلنا: فتح الباب «لخريجى الحقوق» وبعد ٦ أشهر تدريب وتعليم للمواد الشرطية يتخرجون ضباطا جدداً.. كما يمكن الاستفادة من «المتقاعدين» بالقوات المسلحة للعمل فى حراسة المنشآت والبنوك وغيرها من الأعمال البعيدة عن التخصص الجنائى (بالأحوال المدنية - الجوازات - الحراسات - شرطة المرافق - إلخ).
  6. معضلة «الأمن الوطنى».. إنه يحتاج إلى إدارة مدنية برئاسة قاض أو محام يفهم الدور الحقيقى لهذا الجهاز، ليتمكن من القيام بواجباته، بلا أدنى تجاوزات لحقوق الإنسان، أو تدخلات فيما لا يعنيه.
  7. تغيير لون الملبس «الزى» ولون البوكسات وغيره، حتى ننسى الشكل القديم وما ارتبط به فى أذهاننا.

وإذا لم يحدث ذلك الآن وقبل عودة الجيش إلى ثكناته فسوف نجد أنفسنا فى «كارثة» من الفوضى العارمة والانفلات المخيف.. وإذا كان هناك ١٠٠ ألف مصرى أغلبهم مسيحيون حصلوا على تأشيرات هجرة. فسوف يهرب وقتها من مصر كل «القادرين» و«المستثمرين»، و«العقول».. رغم أن الحل مازال فى أيدينا بدعم كامل وبلا حدود للشرطة، وكل استثمار فيها هو أهم استثمار.

ولنتذكر مقولة الجنرال ديجول: عندما أشار إلى جندى الشرطة الواقف مشدودا، وبملابس أنيقة وحذاء لامع.. وقال: «من هنا تبدأ هيبة «الدولة».. أكرر «هيبة».. مش «خيييبة» بالويبة!!

قرفان بيسأل :

تفتكروا لماذا نجحت الثورة التونسية فى أن تضع قدمها على «الطريق الصحيح».. لدرجة أنها تفرغت لعقد مؤتمر عالمى «لمساعدة الشقيقة سوريا المجروحة»؟..
ومن الذى وضعنا على «الطريق المعاكس» ليصل بنا الحال إلى هذا اليأس والإحباط، والاكتئاب، والتوهان، وقلة الحيلة؟؟!

الله يكسفكوا زى ما غرزتم رؤوسنا فى الوحل!!